بثياب رثة ومثقوبة، تتجول دعاء في ازقة بغداد القديمة يوميا منذ طلوع الصباح، حاملة في يدها اليمنى علبة الـ”العلج”، اما اليسرى فتمدها الى المارين، ساعية لإقناعهم بأن يشتروا منها. هذه هي وسيلتها الوحيدة كيلا تظل جائعة.

دعاء ذات الثمان أعوام، تتحدث لـ”طريق الشعب” عن امنيتها بصوت تملؤه الحشرجة: “اني دائما اسمع ان الأطفال ميحبون الدراسة بس اني امنيتي الوحيدة ان ادرس ويكون عندي صديقات!”.

هذا الأمنية هي حق مكفول لدعاء وبقية اقرانها، في الدستور وفي المواثيق الدولية، لكن ما نشهده من غياب للقانون الذي ولد انتهاكا للطفولة اليوم، جعل من هذا الحق “امنية” يسعون اليها.

ويصادف، 20 تشرين الأول، يوم الطفل العالمي، وهي مناسبة عالمية يُحتفل بها في كل عام، لتعزيز الترابط الدولي وإذكاء الوعي بين أطفال العالم وتحسين رفاهم. ويتم القيام بعدة فعاليات وتظاهرات من قبل الناشطين في مجال حقوق الطفل.

فائض في عمالة الاطفال

ويذكر عضو مفوضية حقوق الانسان، علي البياتي، ان” عمالة الأطفال، من الملفات التي تتعرض للتزايد المستمر في العراق، وبحسب احصائيات وزارة التخطيط، يوجد ما يقارب “400 الف” طفل دخل سوق العمل، اما المؤسسات دولية فكان رأيها ان العدد هو ضعف عما معلن”.

وبحسب إحصاء اجراه المرصد العراقي لحقوق الانسان (IOHR)، فانه يتواجد في التقاطع الواحد بين 5 الى 10 أطفال، ويؤشر هذا انه بعد احداث 2014 ازدادت نسبة اطفال الشوارع بسبب النزوح الكبير للعوائل من مناطق النزاع، والحروب التي خلفت اعدادا كبيرة من الشهداء والقتلى وفقدان العوائل لمعيلها او العجز بسبب الاعاقات التي تخلفها الحروب.

ويشير البياتي في حديث لـ”طريق الشعب”، الى ان “الظروف الامنية والاقتصادية والاجتماعية، مع انعدام البيئة التعليمية التي تستقطب الأطفال، إضافة الى الظروف التي مر بها العراق من عنف طائفي ثم مرحلة داعش، كلها دوافع ساهمت في تفكيك العائلة وزج الاطفال في سوق العمل، ووضعهم أمام متطلبات العمل لإعانة عائلاتهم”.

الخوف من ملاحقة العصابات

وضمن السياق، تقول الناشطة في مجال حقوق الطفل، نور الخفاجي: ان “غياب القانون وغض البصر عن هذه الشريحة ومن وراءهم، يجعل المختصين في حماية الطفل خائفين من فتح هذا الملف، ومن يقف خلف استغلال الاطفال، كون المتسببين هم عصابات لهم احتكاك كبير مع بعض الجهات في الحكومة او لهم تأثير على قراراتها”.

وتقترح الخفاجي ان “يتم تفعيل قانون العمل العراقي الذي يمنع عمل الطفل تحت سن الـ ١٨، إضافة الى ضرورة ملاحقة العصابات التي تقف وراء استغلال الأطفال والتي تقدم مغريات للأطفال، تجعل فكرة التعليم خارج إطار طموحاتهم”.

موقف القوانين من هذه العمالة

وتذكر المادة 1 من قانون التعليم الالزامي: “أولا: التعليم في مرحلة الدراسة الابتدائية مجاني والزامي لجميع الاولاد الذين يكملون السادسة من العمر، عند ابتداء السنة الدراسية، او في 31/12 من تلك السنة، ثانيا: تلتزم الدولة بتوفير جميع الامكانات اللازمة له. ثالثا – يلتزم ولي الولد بإلحاقه بالمدارس الابتدائية، عند اكماله السن المنصوص عليه في الفقرة اعلاه واستمراره فيها، لحين إكمال الولد مرحلة الدراسة الابتدائية، او الخامسة عشرة من عمره”.

أما دوليا، فإن اتفاقية حقوق الطفل في المادة (32-1) تقول: “تعترف الدول الأطراف بحق الأطفال في حمايتهم من الاستغلال الاقتصادي، ومن أداء أي عمل يرجّح أن يكون ضارا بصحة الطفل أو بنموه البدني أو العقلي أو الروحي أو المعنوي أو الاجتماعي”.

والى جانب الضمانات الدستورية والدولية التي تحمي الأطفال، حدد القانون العراقي قضية التعليم الالزامي، إضافة الى قانون العمل الذي يحرم العمل في أعمار الطفولة، لكنها تعتبر قوانين شبه مشلولة في الأصل؛ ففي ظل وجودها نرى آلاف الأطفال ما زالوا منتشرين في الأسواق والأحياء الصناعية وحول مكبات النفايات، يعملون في أقسى الظروف التي لا تراعي أي قانون، وهم يسعون إلى توفير بضعة دنانير تعيل أسرهم من الفقر والجوع، بحسب ما اوضح البياتي.

ويرى ان “إمكانية الدولة بالتعامل مع هذا الملف والإجراءات التي تتخذها ضعيفة؛ حيث تتمحور حول احتجازهم لفترات طويلة ثم إطلاق سراحهم بدون معالجة حقيقية من أجل تحسين الوضع الاقتصادي وتوفير مأوى ودمجهم في المجتمع”.

عرضة للاستغلال

ويعتبر البياتي ان “النتائج ستكون كارثية بابتعاد الأطفال عن البيت الذي يوفر لهم الحماية، حيث سيكونون عرضة للاتجار بالأعضاء البشرية سواء بالتسول التعسفي ام أنواع أخرى من الاتجار كالدعارة القسرية وبالأعضاء البشرية، إضافة الى ان ذلك سيولد جيلا غير متعلم، ويكون أساس لعدم الاستقرار والعنف والفوضى في المستقبل”.

عرض مقالات: