لا تزال أزمة المياه في العراق مستمرة منذ سنوات، حتى باتت تلتهم مساحات واسعة من الاراضي الزراعية وتقلصها تدريجيا، بينما لم تجد من يفكك خيوطها التي حاكها إهمال الحكومات المتعاقبة، فضلاً عن سياسات دول الجوار، التي أوصلت البلاد بحسب المختصين، إلى “عجز مائي تجاوز حدود الزراعة”.

محاولات حكومية

ويقول المتحدث الرسمي لوزارة الزراعة، حميد النايف، إنه “بعد ما تناقصت كمية المياه الواردة من دول الجوار، خصصت وزارة الموارد المائية ضمن خطتها السنوية مليونا وخمسمائة ألف دونم”، مشيرا الى انها “تعتبر خطة ري سطحية”.

ويضيف النايف خلال حديثه لـ”طريق الشعب”: ان وزارته اعدت “خطة سنوية تضمنت تخصيص اربعة ملايين دونم، تعتمد على مياه الابار، واصبحت هذه الخطة في ما بعد عند التنفيذ خمسة ملايين وخمسمائة دونم، وهي مساحة الأرض الزراعية الكلية لهذا العام التي تمت زراعتها خلال الموسم الحالي”.

وعلى الرغم من تواضع هذه الخطة، خاصة أن الفلاحين والمزارعين يملكون الأراضي الواسعة والخصبة للزراعة، لكن سيكون لها جزء مهم بتأمين محصود الحنطة والشعير، باعتبار أن أكثر هذه المساحات ستزرع بهذين المحصولين، بحسب تعبير النايف.

ويلفت إلى ان “المساحات متوفرة للزراعة، لكن ما يعرقل هذه الخطوة هو زيادة شح المياه قياسا بالسنوات السابقة، وهذا ما نعمل على توفيره في الوزارة”.

هجرة الفلاحين

وفي السياق، ذكر الاستشاري في الاتحاد العام للجمعيات الفلاحية، احمد القصير، ان “قرار تقليص الخطة الزراعية بنسبة 20 في المائة، جاء دون الأخذ بنظر الاعتبار تأثيره على الفلاحين والمزارعين، وعلى عموم الإنتاج المحلي للبلاد”.

وقال القصير لـ”طريق الشعب”، أنه “لو كانت هناك خطة وآليات جدية تتعامل مع شح المياه، عبر توفير تقنيات حديثة، لتمت المحافظة على المياه وتضاعفت المساحة المزروعة”، مبينا أن ازمة الجفاف “قتلت الكثير من الاراضي الزراعية وكانت السبب الرئيس الذي دفع الفلاحين للهجرة ومغادرة اراضيهم الزراعية ومهنهم التي توارثوها عن اجدادهم”.

المفاوضات ومشاكل الري

وبالعودة الى النايف، فأنه يرجو ان “تكون هناك مفاوضات بين وزارة الموارد المائية ودول الجوار، حتى يحصل العراق على مستحقاته المائية”، متابعا بالقول: “يجب أن تكون وزارة الزراعة عضوا مهما في لجنة المفاوضات، لكنها وللأسف الشديد تكون دائما خارج هذه اللجنة”.

وبالنسبة لنظام الري، يشير المتحدث الى وجود “ملاحظات كثيرة عليه، إذ يجب العمل على تأهيله وتحويله من نظام سطحي تسبب بهدر وسرقة المياه والتجاوز عليها، إلى نظام ري مغلق يمنع الهدر”.

وبالحديث عن نظام الري، يقول الخبير في الاستراتيجيات والسياسات المائية، رمضان حمزة، ان “نظام توزيع المياه في العراق هو نظام سومري قديم وتقليدي ولا يواكب حالة البلد الحالية، الذي يعاني من نقص شديد في موارده المائية ويتأثر بشكل كبير بمواسم الجفاف والتغير المناخي”، مضيفا ان “هناك قلة في التخصيصات المالية لهذا القطاع الحيوي، حيث لا تتجاوز 1 في المائة من مجمل ميزانية الدولة”.

ويبين حمزة لـ “طريق الشعب” ضرورة العمل بـ”الاستثمارات في القطاع الزراعي بدلا من الحيازات الصغيرة التي لا تجدي نفعا لا للمزارع ولا للدولة في ظل تناقص موارد المياه. ولا يزال العراق يتعامل مع خطط التنمية حول كيفية التخلص من الفيضانات، بدلا من التوجه للمعالجة والتصدي لحالات الجفاف والتصحر”.

ويضيف الخبير، ان توزيع المياه “بعيد كل البعد عن الواقع، إذ يواصل المزارعون استخدام تقنيات الري التي عفا عليها الزمن، والتي تستهلك الكثير من المياه وتسبب الكثيرٍ من الضرر للأراضي الصالحة للزراعة”، فيما اقترح أن يكون هناك “تكامل وتشبيك بين قطاعي المياه والزراعة، لضمان الأمن الغذائي والمائي في ظل تأثيرات التغير المناخي، الى جانب تعزيز التعاون مع الدول المجاورة، تركيا وإيران”.

ويتحدث حمزة لـ “طريق الشعب”، عن تحديات غير مسبوقة لقطع المياه في العراق بسبب السياسة المائية لدى تركيا وإيران حيث عملتا على قطع وتقليل الايرادات المائية من الانهار الدولية المشتركة، ما وضع بلدنا في أزمة مياه متفاقمة تجاوزت حدود مناطق محددة في البلد لتشمل معظم اجزائه تقريباً.

تأثيرات فشل الإدارة

ويشير الخبير حمزة إلى أن “انخفاض كمية المياه (الأمن المائي) وتراجع مستوى نوعيتها وزيادة تدهور البنى التحتية القديمة والمتضررة فضلا عن الاستخدام غير الفعال للمياه، كشف عن أوجه القصور في إدارة المياه الحالية بشكل ملحوظ، ممَّا أثَّر بشدة على الوضع الاجتماعي والاقتصادي والسياسي”.

ويلفت إلى أن “العراق لم يستطع التصدِّي بفاعلية وجدية لهذا الملف واعطائه الاهتمام الحقيقي. وفشل أيضا في التوصل الى توقيع اتفاقيات مائية مع تركيا وإيران بالسنوات السابقة، برغم وجود عناصر قوة لدى العراق في الجانب التفاوضي مع الطرفين. كما أن المفاوضات الحالية لا تحمل الجدية المتوقعة، مع وجود فجوة واضحة بين التصريحات العراقية بمرونة الجانب التركي بشأن حلحلة المشاكل المائية مع العراق، وبين السياسات والممارسات الفعلية للأتراك على أرض الواقع”.

عرض مقالات: