في ظل تفاقم الأزمات السياسية المتتالية سجلت البطالة أرقاما قياسية على مدار سنوات، دون أي اهتمام من قبل صنّاع القرار بهذه الظاهرة وتفاقمها؛ فخلال الصراع على تشكيل الحكومة، غابت قضية البطالة وتوفير فرص العمل عن كل الخطابات والشروط والالتزامات التي وضعتها القوى المتنفذة تجاه بعضها البعض، ما دعا مهتمين بالشأن السياسي الى التشديد على أن عمر هذه الحكومة سيكون قصيرا ما دامت الأزمة متواصلة دون حل.

أزمة عميقة وحلول غائبة

وتسجل أزمة البطالة أرقاما مخيفة بسبب الاستمرار في الاعتماد على الاقتصاد الريعي، وعدم جدوى الخطط الحكومية لإصلاح الاقتصاد، وفشلها في تحقيق أية تنمية اقتصادية تذكر، برغم ارتفاع أسعار النفط وتجاوز أزمة تمويل رواتب الموظفين.

ويقول مختصون، إن الأرقام التي تصدرها وزارة التخطيط بشأن نسب البطالة، ومنها (13.8) في المائة التي صدرت قبل أشهر، هي نسب غير دقيقة وأن الأزمة أكبر وستظهر على شكل تظاهرات واحتجاجات ما لم توجه الحكومة كل جهودها نحو ايجاد الحلول.

وفي تقرير سابق أصدرته وكالة التصنيف الائتماني فيتش، فإن البطالة ارتفعت بشكل كبير جدا في ثلاث دول عربية منها العراق، منذ دخول جائحة كورونا وما تلاها من أحداث.

ويرى التقرير أن بطالة الشباب ونقص فرص العمل لهم مع تزايد عدد السكان يُمثل تحدياً رئيسياً للسياسات وخطراً على الاستقرار السياسي والاجتماعي، مشيرا إلى تفاقم التحديات الديموغرافية منذ اندلاع أحداث الربيع العربي (2010 - 2011)، الامر الذي جعل الشباب يقسون مظالم كثيرة واجحافا بحقوقهم.

وأوضحت الوكالة، أنه غالباً ما تؤدي الحاجة لاحتواء مخاطر الاستقرار الاجتماعي إلى زيادة الإنفاق الحكومي على التوظيف في القطاع العام وتوفير الدعم، مما يسبب عجزاً أوسع وهيكلة إنفاق أكثر صرامة. ولفتت الانتباه إلى أن هذا النهج نجح في احتواء بطالة الشباب في تونس إلى حد ما على مدى العقد الماضي، لكنه بلغ ذروته في القدرة على تحمل الديون وتحديات التمويل المستعصية على الحل سياسياً.

عجز المنظومة الاقتصادية

من جانبه، عزا الخبير الاقتصادي علي تويج، الارتفاع المستمر في معدلات البطالة الى عجز المنظومة الاقتصادية في البلاد عن توفير فرص العمل، والاكتفاء بتوفير بعض التعيينات التي لا تتناسب مع أعداد العاطلين.

وقال في حديثه لـ”طريق الشعب”، إن هناك “حوالي 400 ألف شاب يدخلون إلى سوق العمل سنويا من بينهم حوالي 180 ألف خريج جامعي”، مشيرا إلى أن “اغلب هؤلاء يعانون من البطالة بسبب عدم وجود رؤية اقتصادية للاستفادة من الموارد الطبيعية والبشرية للبلاد”.

واضاف تويج ان الدولة تحاول “النأي بنفسها عن المشكلة قائلة ان دوائر الدولة لا يمكنها استيعاب هذا العدد الهائل من الشباب، وهذا الأمر صحيح لكنه لا يعني تطبيق سياسات اقتصادية تسهم في زيادة معدلات الفقر والبطالة، واعفاء نفسها من مسؤولية توفير فرص عمل في باقي القطاعات الإنتاجية، من خلال إعادة تشغيل المعامل والمصانع وتوفير البيئة المناسبة للاستثمار الحقيقي ودعم القطاع الخاص، من أجل خلق فرص عمل تسهم في معالجة المشكلة المتفاقمة في البلاد”. وأكد الخبير أن “الحكومة السابقة ومن خلال فقرات ورقتها البيضاء، فاقمت الأزمة ولم تقدم أية حلول حقيقية لمعالجة الأوضاع، رغم توفر الإمكانيات الحقيقية لإحداث نقلة نوعية في البلاد من خلال اعتماد سياسات اقتصادية تنقذ القطاعات الزراعية والصناعية والسياحية من حالة الشلل المستمر منذ 2003”، مشيرا الى ان “الحال ذاته بالنسبة للبرنامج الحكومي الحالي، إذ أنه تحدث عن الأزمة بشكل تقليدي ووفق تفاصيل ليست مختلفة عما طرحته الحكومات السابقة”.

وبين انه “بدون الحلول الجوهرية والارادة الحقيقية، ستتزايد ارقام البطاقة وستنفجر بوجه أي حكومة تحاول تجاوز الازمة”.

تحذيرات من تفاقم الاوضاع

من جهته، عدّ الخبير الاقتصادي أحمد خضير النسب المعلنة للبطالة في البلاد “غير واقعية”، مؤكدا انها “تفوق ما هو معلن”.

 وذكر خضير لـ”طريق الشعب”، ان “وزارة التخطيط لا تمتلك معلومات حقيقية عن اعداد العاطلين عن العمل، وان نسبة البطالة أكبر من المعلنة”، مشيرا إلى ان “تغيير سعر الصرف ساهم بشكل كبير في ارتفاع معدلات البطالة، على اعتبار انه ساهم في ارتفاع معدلات التضخم، ما تسبب في توقف الكثير من النشاطات الاقتصادية، فضلا عن عدم قدرة النشاطات الأخرى على النهوض بعكس وعود الحكومة”.

ولفت الخبير في سياق حديثه الى ان “القائمين على الدولة العراقية، يعتقدون أن أموال بيع النفط هي ملك للحكومات وبوسعها صرفها كيفما تشاء، حيث بُذرت الأموال عشوائيا، ومن غير المنطقي ان لا تتجاوز معدلات إنتاجية الموظفين في دوائر الدولة 18 دقيقة في اليوم”، مبينا ان “أموال النفط هي ملك للعراقيين جميعا ومن الواجب العمل بهذه الأموال على انشاء مشاريع تنموية حقيقية، تسهم في توفير فرص العمل بدل الاستمرار في تبديدها على البطالة المقنعة”.

وحذر خضير من “الاستمرار في هذا المنهج الفاشل في إدارة البلاد، فان عدم إيجاد الحلول المناسبة لتشغيل العاطلين عن العمل، ربما يعصف بمستقبل النظام السياسي بشكل كامل”.

ونصح الخبير الاقتصادي بـ”إيجاد حلول سريعة والعمل على تدشين مشاريع استراتيجية، تضمن حلا دائميا للموضوع”.

عرض مقالات: