تحيي الأمم المتحدة في 17 تشرين الأول من كل عام، اليوم الدولي للقضاء على الفقر، وتتحدث عن نتائج لخطط واستراتيجيات بشأن معالجة هذه الظاهرة. لكن في العراق، يزداد ضحايا الفقر بسبب الفساد والهدر في موارد وثروات البلد، طيلة الأعوام الماضية، ليصبح البلد في مقدمة البلدان الأشد فقرا، كما تشير تقارير دولية.

الكرامة للجميع

وقالت الأمم المتحدة أن اليوم الدولي للقضاء على الفقر، سيحمل في هذا العام عنوان “الكرامة للجميع” للتأكيد على الالتزامات الدولية بما يحقق العدالة الاجتماعية والسلام ويعود بالنفع على كوكب الأرض.

ويعتبر الناشطون والمعنيون في مواجهة الفقر، أن شعار “الكرامة للجميع” يؤكد أن كرامة الإنسان ليست حقًا أصيلا وحسب، بل هي الأساس لكافة الحقوق الأساسية الأخرى. ولذا، فإن “الكرامة” ليست مفهوماً مجرداً: فهي حق إنساني لكل فرد على هذه البسيطة. واليوم، يعاني العديد من الذين يعايشون الفقر المزمن من الحرمان من كرامتهم وغياب احترامها.

وفي العراق، هدرت السلطات وعلى مدار 19 عاما مئات مليارات الدولارات بينما يعيش الملايين من المواطنين في فقر مدقع، وتضيق بهم سبل العيش مقابل الحرمان والتهميش والغلاء وانعدام حق العلاج والسكن وغيرها من مقومات الحياة.

وعام بعد آخر، تتزايد الفجوة في الفرص والدخل بشكل حاد وتتسع الهوة بين مجموعة صغيرة تستأثر بالحكم ومن حولها حاشيتها، وأغلبية فقيرة أو لا تنال الحق الكافي وفق ما يؤكده خبراء في الاقتصاد.

لا نمو ولا خطط

وترى الخبيرة في الشأن الاقتصادي، سلام سميسم، أن مشكلة الفقر في العراق لم تعد بشكلها التقليدي السابقة، فهنالك تطورات جديدة توضح مدى كارثة الظاهرة داخل المجتمع.

وتقول سميسم لـ”طريق الشعب”، إن “صندوق النقد الدولي يتحدث عن وجود نمو اقتصادي كبير جدا في العراق، لكن في المقابل هناك نمو كبير في حجم الفقر. أن هذه القضية (الفقر) أخذت معايير جديدة دخلت إلى الاستعمال الاقتصادي وباتت المنظمات الدولية تستخدمها مثل ما يطلق عليه (الفقر متعدد الجوانب)”، لافتة إلى أن هذا النوع من الفقر “يختلف عن الفقر النقدي. ففي السابق كان المقياس من خلال الدخل، وكان صندوق النقد الدولي يقر بفقر الفرد الذي معدل دخله 2.3 دولار بينما يقول البنك الدولي إن الفقير هو من يبلغ دخله 1.8 دولار. هذه القضية أصبحت مختلفة حاليا وتوسعت كثيرا، ووفق المعايير الأخيرة لآخر إحصائية أصدرتها وزارة التخطيط، فحتى الموظف من الدرجة الخامسة يعتبر فقيرا”.

العراق الرابع عالمياً

وتتابع سميسم قائلة: “نحن الآن لا نحسب الفقر من الدخل وحده، وإنما من حاجة المواطن للسكن والكهرباء والماء الصالح للشرب والغذاء والدواء وكل هذه الأشياء. ومن هذا المنطلق، أصدرت منظمة (إسكوا) التابعة للأمم المتحدة إحصائية وضعت العراق ضمن الدول الأربعة الأولى في ارتفاع معدلات الفقر متعدد الجوانب”، مردفة أن “الحكومة تتحدث عن نمو اقتصادي لكنه لا ينعكس في الحياة، وهذا النمو جاء من الارتفاع النقدي وهو ليس حقيقيا بل بسبب ارتفاع كمية الأموال العائدة من بيع النفط، فلا توجد معدلات تنمية حقيقية ولا بناء للجسور والطرق والمستشفيات ولم نر تحسن مستوى الغذاء والمياه والكهرباء. بل هنالك تراجع بكل شيء فأين هو النمو؟”.

وتشدد المتحدثة على أن “الزيادة النقدية التي حظي بها العراق لم تلق أي زيادة في الإنتاج الصناعي والزراعي. الحكومة تتحدث عن زيادة الأموال بسبب صعود أسعار النفط العالمية، وهذا ليس بنمو”.

وتعتقد الخبيرة أن “الصراع السياسي هو السبب الأساس بما يجري لأنه يقود إلى سياسات اقتصادية خاطئة ويؤدي إلى ازدياد معدلات الفقر وإنتاج مشاكل اجتماعية إضافة للاقتصادية مثل انحراف الشباب والضغوط النفسية والفوارق بين الطبقات ومعدلات الجريمة”، داعية إلى “صياغة سياسات اقتصادية واقعية علمية بعيدة عن التجاذبات السياسية. فالضبابية تحيط بالاقتصاد العراقي، ولا توجد سياسة اقتصادية واضحة والحكومات لا تستعين بالخبراء الاقتصاديين. من يرسم السياسة المالية والاقتصادية بعيد عن التخصص وهذا يستدعي إعادة النظر بالنهج الحالي ودعوة المختصين لصياغة سياسة وطنية حقيقية لا تتمحور حول أسعار النفط وتعمّق الاقتصاد الريعي”.

وتؤكد سميسم في نهاية حديثها على أن “الاقتصاد الإنساني هو الذي يجب أن يكون موجودا، لأنه يبدي الاهتمام بحياة المواطن ويركز على توفير بعض المستلزمات مثل الغذاء والدواء وهي أمور مهمة”.

التخطيط: نحاول تقليص النسبة

أما المتحدث الرسمي باسم وزارة التخطيط، عبد الزهرة الهنداوي، فيعتقد أن نسبة كبيرة من الفقراء هم قريبون من الخروج عن خط الفقر، لو توفر لهم الدعم الكافي.

ويقول الهنداوي لـ”طريق الشعب”، أن “الوزارة لا تمتلك حاليا إحصائيات دقيقة عن الفقر في العراق، وأن الأرقام التي تنشر هي من العام السابق”، منوها بأن “هناك استعدادات لإجراء المسح الاقتصادي والاجتماعي خلال الأسابيع المقبلة للحصول على بيانات جديدة عن الفقر ونسبه والرقع الجغرافية التي يتركز فيها”. ويلفت إلى أن “الوزارة ما زالت تعتمد على المؤشرات السابقة لقياس نسب الفقر، فهي تتراوح ما بين 22 إلى 25 في المائة، وأن محافظة المثنى هي الأكثر فقرا بين المحافظات وبنسبة تتجاوز النصف، بينما النسب في الجنوب بحدود 30 في المائة، وتكون في مناطق الوسط بنسبة 17 في المائة”، مبينا أن “مؤشرات الفقر تتغير بحسب الظروف الاقتصادية والأمنية والسياسية وغيرها، وهي غير ثابتة”.

وحتى الآن، لا توجد إستراتيجية حقيقية لمعالجة الفقر في العراق، رغم ارتفاع عدد الفقراء، حيث تفتقد جميع برامج القوى المتنفذة التي ما زالت تتصارع على السلطة، خططا حقيقية واستراتيجيات واضحة لمعالجة الظاهرة، عدا بعض الشعارات الجوفاء.

عرض مقالات: