يشكو أهالي ناحية الحيدرية في محافظة النجف من تدهور الاوضاع الصحية في منطقتهم بسبب معامل الطابوق التي تنتج كميات هائلة من الدخان السام على مقربة منهم، لتتسبب بأمراض عديدة أبرزها ما يتعلق بالجهاز التنفسي.

أين المفر؟

ويقول سجاد محمد، أحد مواطني ناحية الحيدرية، أن “معامل الطابوق بدائية جدا: تحرق النفط الأسود من أجل التشغيل، وتحوله إلى دخان سام جدا يعاني أهالي الحيدرية منه كثيرا، حيث أن المعامل تقع خارج الحدود الإدارية وأصبحت المنطقة المجاورة لها سكنية بعدما كانت أرضا زراعية، ومن هذا المنطلق يقال أن المعامل رسمية ومرخصة ولا يمكن إزالتها”.

ويوضح محمد لـ”طريق الشعب”، أن الأرقام التي تصدر عن الجهات الصحية “تتحدث عن إصابات كثيرة جدا بأمراض الحساسية والربو والاختناق وهي بالعشرات يوميا إضافة إلى تأثير ذلك على الحيوانات والمحاصيل الزراعية المتأثرة بالغازات السامة، كما أن تأكيدات شبه رسمية تفيد بوفاة حوالي 100 شخص نتيجة هذا التلوث الكبير وإصابة العديد بالأمراض السرطانية إضافة للأمراض التي ذكرناها”.

ويتابع محمد قائلا: “هنالك مواطنون هربوا من المنطقة وسكنوا في أخرى، لكن الأغلبية من الفقراء لا يقدرون على ذلك، ويصارعون الان هذا التلوث المميت في وقت تتفرج فيه الحكومة ولا تقوم بأية إجراءات لمواجهة دخان المعامل وطرق عملها المتخلفة والبدائية والمعادية للبيئة”.

عدم حماية المستهلك

من جانبه، يقول الناشط النجفي حسنين العميدي، ان قانون حماية المستهلك معطل وأن أغلب المنتجات غير خاضعة للمعايير، لافتا إلى أن ملوثات البيئة كثيرة جدا ولا تقف عن معامل الطابوق وحدها، فهنالك مشكلة بسبب مجازر الحيوانات، كما أن هذه الأمور أحيانا يصعب حلها لارتباطها بأشخاص متنفذين.

ويوضح العميدي خلال حديثه مع “طريق الشعب”، أن أهالي النجف وناشطين وإعلاميين وشخصيات كثيرة لطالما دعوا إلى حل مشكلة معامل الطابوق ونقلها مع المشاريع الإنتاجية الملوثة إلى المدينة الصناعية التي تقع خارج المدينة، مضيفا أن “المدينة الصناعية صرفت الأموال عليها قبل سنوات وكان من المفترض أن تقدم الحلول ضمن هذا الإطار، لكن بعد مرور فترة طويلة بقيت المدينة جثة هامدة، ولا نعلم مصير الأموال وهي بالتأكيد راحت ضحية الفساد والتلاعب”.

ويكمل العميدي، أن “هذه المظاهر لا تقل خطرا عن السلاح المنفلت وان تسليط الضوء على هكذا أمور رفقة الضغط الجماهيري هو شأن مطلوب وضروري لأن الحكومات لا تأبه ولا تستجيب وبخلاف ذلك سيستمر الوضع ولن تكون هنالك خطوات لإنقاذ أرواح الناس من التلوث. هنالك مهمة أخرى يمكن أن يبادر بها الإعلاميون والناشطون تتمثل بعقد ندوات تبين مخاطر المعامل ووجودها داخل المدن من خلال الأرقام الدقيقة للمصابين بالأمراض ونوعيتها وعلاقتها بهذا النوع من التلوث”.

سياسة معادية للبيئة

وفي السياق، يقول فلاح حسن الأميري، مدير معهد نيسان المختص بالبيئة، أن هذه المعامل تؤثر بشكل مباشر على حياة الإنسان وفقا للتقارير العلمية التي أثبتت خطورة الغازات الضارة الناتجة عن عملها.

وبخصوص ناحية الحيدرية في النجف، يبين الأميري لـ”طريق الشعب”، أنها “ليست جديدة حتما لكن النسب الإنتاجية لهذه المعامل تزايدت بشكل كبير وأصبحت الكتل الدخانية والانبعاثات أكثر من السابق ومؤثرة بشكل مضاعف خصوصا وأن حرم النفط الأسود أمر خطر ومؤثر جدا”، مبينا أن “منطقة الحيدرية هي أرض زراعية وبعد النزوح السكاني إليها أصبحت تواجه هكذا خطر وإذا أردنا المفاضلة بين الناس والمعامل فمن المؤكد أن الأولوية تكون لحياة المواطنين”.

ويلفت إلى أن “محافظة الأنبار شهدت في وقت سابق نفس المشكلة، فزاد الطلب على الطابوق وزادت إنتاجية المعامل وعددها، ورافق ذلك حالات اختناق وأمراض تنفسية كثيرة ونسب من الإصابات السرطانية وغيرها من الأمراض. كما أن إيقاف هذه المعامل ليس بالأمر السهل أبدا فهنالك حاجة محلية للإنتاج وهنالك إجازات رسمية. إذن العملية متداخلة وتحتاج إلى تفاهمات كثيرة بين مجالات الاقتصاد والقانون والصحة والبيئة وبلدية الأرض وبلدية المعمل وسلطة القانون بشكل عام”، مردفا أن “وزارة البيئة ودائرة تحسين البيئة بالفرات الأوسط تتحملان المسؤولية بشكل مباشر وعليهما تقديم رؤية عن الأمر، كذلك المسؤولية مرتبطة بدائرة حماية البيئة لأنها الجهة التي تمنح الإجازات”.

ويتابع الأميري قائلا: ان “كل دائرة من دوائر تحسين البيئة فيها قسم قانوني يعطي المعايير والتعليمات وفق النظام الداخلي. وأن قانون رقم 27 لسنة 2009 لحماية البيئة واضح بخصوص المعامل وشكلها ونوعها والانبعاثات الخاص بها، لكن الانفجار السكاني المقدر 10 في المائة سنويا زاد من الطلب على الإسكان ومواده، وبالتالي يعني إنشاء وحدات سكنية لبلد يعتمد على الطابوق في البناء”، مبينا أن “البناء في العراق غير صديق للبيئة، فأفكار العمارة ما زالت قديمة بينما دول عديدة أدخلت نظم إنشاء سكنية حديثة تكون مواد البناء فيها مصنعة بشكل لا يلوث، وتكون عملية استخدامها صديقة للبيئة أيضا. وإضافة إلى غياب المساحات الخضراء بشكل شبه تام من مناطق البلد، يخلو قانون حماية البيئة من موضوع قياسات الضرر، وهذا أمر خطر جدا يستدعي تعديل القانون؛ فحماية البيئة تبدأ من الجهات العليا والقانون، وليس من المواطن وحده”.

عرض مقالات: