على الرغم من التجريم القانوني لزواج القاصرات الا ان المحاكم ما تزال تكتظ بطلبات التفريق (الطلاق) لأزواج دون 15 عاماً، في الوقت نفسه لم يلحظ إلى الآن موقف قانوني من الجهات المعنية او حتى محاولة للتوعية للحد من هذه الظاهرة التي يذهب ضحيتها النساء والاطفال.

ويطالب مراقبون بضرورة تفعيل عقوبات قانونية اشد من الغرامة المالية التي يفرضها القانون على تزويج فتاة لم تبلغ السن القانوني.

إصرار على الزواج

في السياق، تقول طيبة سلام (17 عاماً) ام لطفلين من بغداد وقد انفصلت حديثا بعد ارتباط دام أربع سنوات لـ»طريق الشعب»، انها تزوجت في عمر لا يتجاوز 13 عاما بعد اصرار من والدها واخوتها بعد اكمالها للدراسة الابتدائية، بتصور ان مستقبل الفتاة في تزويجها وان اقتصار تعليمها القراءة والكتابة كاف لتعليم أبنائها، مشيرة إلى ان هذا السياق « طبق ايضا على أخواتها الثلاثة اللواتي تم تزويجهن في اعمار مبكرة».

وحول الاسباب التي دفعها إلى الانفصال تفيد «هناك تحديات كبيرة ضمنها الوضع المادي الصعب فضلا عن المشاكل العائلية التي تصل في الغالب إلى التعنيف»، منبهة إلى ان التعنيف الذي تعرضت اليه اخيرا تسبب لها «بخسارة جنينها، الامر الذي ادى إلى حسم الموقف بتجاه الانفصال، مع شرط التنازل عن كافة الحقوق المالية، التي تترتب على الزوج باستثناء نفقة الاطفال التي حددتها المحكمة التي لا تتجاوز 125 ألف دينار لكل طفل».

وتشير طيبة إلى ان «انفصال المرأة في عمر مبكر وهي مسؤولة عن اطفال وعاطلة عن العمل تحد كبير خاصة وان متطلبات المعيشة غير قليلة».

تعديل النصوص القانونية

من جانبها، تؤكد المحامية سماح الطائي لـ»طريق الشعب» ان «الإحصائيات الشهرية الاخيرة لنسب الطلاق التي سجلت مؤخرا مرعبة»، داعية إلى منع الزواج خارج المحاكم، ومعاقبة من يقوم بالعقد الشرعي».

وترى ان «الوقت قد حان إلى تعديل النصوص القانونية التي تبيح زواج القاصرات وإنهاء موضوع زواج القاصر من خلال اقتران الزواج بسن البلوغ حصرا، اضافة إلى ضرورة تفعيل دور الباحث الاجتماعي وجعله مؤثرا في موضوع إصلاح الزوجين قبل إيقاع الطلاق، فضلا إلى الدور الساند لمنظمات المجتمع المدني في عملية لتوعية خاصة في المناطق الجنوبية للبلاد».

أعراف وتقاليد متوارثة

وفي تصريح اطلعت عليه «طريق الشعب» يقول قاضي الأحوال الشخصية في الموصل حسن جلوب «مع تطور المجتمعات، لا يزال العراق يعاني من وجود زواج القاصرات بسبب الأعراف والتقاليد المتوارثة، إذ يرى الكثير أن الزواج ستر المرأة ومستقبلها المعهود، وهذه الخطأ شائع في المجتمع».

وبشأن العوامل الأكثر تسببا بالانفصال يعرج القاضي على «الوضع الاقتصادي الذي يساهم بشكل مباشر في الخلافات بين الأزواج، وكذلك المستوى الثقافي وعدم الانسجام الفكري بين الزوجين بسبب صغر أعمارهم إضافة إلى الأسباب المباشرة في توتر العلاقات ومنها تطور المجتمع ومواقع التواصل الاجتماعي والخيانة الزوجية الالكترونية». وعن دور القضاء للحد من حالات الطلاق يذكر أن «القضاة يبذلون ما بوسعهم عند حضور زوجين لم ينفصلا بعد، إذ تقوم المحكمة بإحالة الزوجين إلى مكاتب البحث الاجتماعي لغرض الوقوف على أسباب الخلاف ومحاولة تقريب وجهات النظر بينهما وبعد ذلك يتم تحديد موعد للمرافعة أمام المحكمة حيث تقوم المحكمة متمثلة بالقاضي بتقديم النصح والإرشاد لغرض إصلاح».

وفي بغداد سجلت رئاسة محكمة استئناف الرصافة مؤخرا 621 حالة طلاق للفتيات دون الـ 15، كانت النسبة الأكبر في مدينة الصدر ذات الكثافة السكانية العالية.

الإذن من القاضي

ويقول القاضي جعفر المالكي الذي ينظر قضايا الأحوال الشخصية في مدينة الصدر، إن «المادة 8 من قانون الأحوال الشخصية رقم 188 لسنة 1959 المعدل نصت على:

1 - إذا طلب من أكمل الخامسة عشرة من العمر الزواج فللقاضي ان يأذن له إذا ثبتت له أهليته وقابليته البدنية بعد موافقة وليه الشرعي، فإذا امتنع الولي طلب القاضي منه موافقته خلال مدة يحددها له فان لم يعترض او كان اعتراضه غير جدير بالاعتبار أذن القاضي بالزواج.

2 - للقاضي ان يأذن بزواج من بلغ الخامسة عشرة من العمر إذا وجد ضرورة قصوى تدعو إلى ذلك، ويشترط لإعطاء الإذن تحقق البلوغ الشرعي والقابلية البدنية.

ويفسر القاضي هذه المادة بأنها «أجازت زواج القاصر بإذن من القاضي او إذن من الولي الشرعي، فالمشرع عند اجازته هذا الزواج أراد ان يكون ذلك منسجما مع الشريعة الإسلامية التي اقتصرت البلوغ على المظاهر الفسيولوجية عند الرجل او المرأة».

وبشأن بعض الحالات التي شهدها، يروي القاضي «مرت علي العديد من الوقائع اذ حضرت امامي فتاة قاصر في دعوى طلاق كان الفارق بينها وبين زوجها 37 سنة وعندما سألتها عن سبب موافقتها على مثل هذا الزواج، كان الجواب هو الندم، وفي كثير من الاحيان يكون هناك اطفال ويقع عبء تربيتهم والعناية بهم على الجد والجدة».

ويؤكد القاضي إلى ضرورة «تعديل النصوص القانونية المذكورة وإنهاء موضوع زواج القاصر من خلال اقتران الزواج بسن البلوغ حصرا، اضافة إلى ضرورة تفعيل دور الباحث الاجتماعي وجعله مؤثرا في موضوع إصلاح الزوجين قبل إيقاع الطلاق».

عرض مقالات: