تُخرج وزارة التعليم العالي والبحث العلمي مئات الالاف من طلبة الجامعات والمعاهد، فضلا عن طلبة الاعداديات والمعاهد وعدا هؤلاء ممن يبلغون سن العمل القانوني، إذ يواجه غالبيتهم مصاعب كبيرة في سوق العمل إذا ما جرّبوا دخوله. فالسوق المحلي هو الاخر يعاني من التدهور الشديد، نتيجة لفساد المتنفذين وغياب التخطيط قريب وانعدام الرؤية الاقتصادية الاستراتيجية.

قوانين لا تناسب الواقع

يقول الخبير الاقتصادي صالح الهماشي، ان “سوق العمل العراقي يعاني من ثلاث مشاكل أولاها التشريعات الحكومية؛ اذ لا يمكن لأي سوق عمل ان يزدهر ما لم تكن هناك قوانين وأنظمة”.

ويضيف الهماشي في حديثه لـ “طريق الشعب”، أن “اهم أربعة قوانين في سوق العمل هي الجهة التي تمنح حق مزاولة المهنة، وقانون العمل وقانون الضمان الاجتماعي وقانون التامين. فهذه القوانين تعتبر البنى التحتية لسوق العمل في كل الدول، وتعزز قدرة الانسان في البحث عن العمل بالقطاع الخاص او الابتكار والابداع”.

ويردف ان بعض هذه القوانين موجودة بالفعل “لكن عفى عليها الزمن مثل قانون التامين الساري منذ الثمانينيات فهو متعثر وغير موحد، ولا يتناسب مع حجم التضخم الوجود في العراق، وقانون العمل لا يتناسب مع الاقتصاد العراقي والنشاط الاقتصادي”، مبينا ان كل هذه القوانين والأنظمة “مسؤولة عنها جهات حكومية، هي بالأساس تعاني من مشكلة الفساد، إذ أنها عندما تُقدم على فتح مشروع تصطدم بأكثر من جهة فاسدة ويضطر المواطن للتخلي عن مشروعه بسبب الرشاوى والاتاوات وغيرها”.

جهة حكومية معرقلة

ويشير الخبير الاقتصادي الى ان القانون التجاري الحالي “لا يحمي سوق العمل العراقي سواء كان منتجا للسلع ام للخدمات”، مشيرا الى ان الجهات الأمنية تعد المعرقل الأبرز لدوران عجلة السوق: “في أية دولة بالعالم لا يوجد هناك شيء اسمه موافقة امنية لفتح مشروع، كما انها تتدخل في منح اجازات العمل”.

ويشير الهماشي الى ان الاقتصاد العراقي “لا يستطيع ان يخلق فرص عمل او نموا حقيقيا، وحتى تقرير صندوق النقد الدولي الأخير عن النمو يعتبر نموا ماليا لا اقتصاديا، فحجم الإيرادات المتحققة مع حجم النفقات والتقشف الحكومي الموجود منذ 2014 والى الان، أظهر هذه الوفرة المالية التي اُعتبرت نموا”.

ويبين ان النمو يتحقق بزيادة النشاطات الاقتصادية وزيادة حجم الإنتاج وليس حجم الأموال.

مقترح حل

وينبه الى ان “قانون العمل مستنسخ من القانون الأمريكي، وهو لا يتناسب مع وضعنا، فنحن نتكلم عن استقطاعات بنسبة 25 بالمائة من دخل العامل العراقي الذي هو ربع الراتب، بينما الحد الأدنى للراتب الذي حدده قانون العمل هو 350 ألفا، ويتبقى فقط 250 ألفا هذا غير منطقي او واقعي. بينما الرواتب في أمريكا تصل الى 5 او 7 الاف دولار، وبالتالي لا تؤثر هذه النسبة فيه”.

ويواصل الهماشي القول: “كذلك الحال مع قانون الضمان الاجتماعي فهو الاخر حدد 200 ألف كراتب تقاعدي للعامل، بغض النظر عن حجم المبلغ المستقطع من العامل”، مبينا أن “القوانين لدينا غير واقعية وليست منطقية، وبسبب الفساد الموجود أصبحت هذه القوانين جامدة وغير فاعلة وغير قادرة على تلبية احتياجات السوق”.

ويقترح الهامشي ان تقدم وزارة العمل والشؤون الاجتماعية المسؤولة عن هذا الموضوع “مقترحا لتعديل قانوني العمل والضمان الاجتماعي، وتشكيل لجنة مشتركة بينها ووزارة المالية والشركة الوطنية للتامين لإعادة النظر في بوليصة التامين على العمال والمكائن وغيرها”، مؤكدا انه يجب ان “يرتبط العمل في العراق بإجازة وعقد عمل، حتى تتوفر للدولة قاعدة بيانات حقيقية، ولا نعتمد على التقديرات فقط في ما يخص البطالة وغيرها”، الى جانب “تفعيل القطاع المصرفي لتوفير رؤوس الأموال اللازمة لمزاولة العمل بشكل أكثر مرونة، وإعطاء فرص للشباب لاستحصال قروض ميسرة وليس كما طرحته الحكومة بشكل معقد وروتيني لم يستفد منها الشباب”.

صعوبات تواجه الخريجين

وعن المصاعب التي تواجه الشباب في سوق العمل، يقول جعفر صاحب وهو خريج كلية الطب البيطري في جامعة ديالى، انه وزملاءه يواجهون مصيرا مجهولا، مضيفا “كانت الحكومة توفر بعض المستحقات كبديل للتعيين، تتمثل بتوزيع قطع أراض لا تزيد مساحتها على 5 دونمات، وكذلك اعلاف مجانية، لكنها لم تعد تقوم بذلك”.

ويضيف صاحب لـ”طريق الشعب”، “قررنا انا ومجموعة من زملائي، فتح مشروع لتربية وتجارة المواشي، إلا اننا اصطدمنا بواقع اخر وصعوبات كبيرة، تتمثل بشراء قطع أراض وحتى الاعلاف بمبالغ خيالية تفوق قدرتنا”.

ويشير صاحب الى أن المبادرات التي تطرحها المصارف تتضمن “شروطا ثقيلة جدا”.

بحاجة الى كفاءات مهنية

ويربط المحلل السياسي حسين الجاف تراجع سوق العمل بـ”فساد المتنفذين وسيطرتهم على زمام الأمور”، مشيرا الى ان “عدم وجود حكومة وموازنة وغياب الحماسة الوطنية، أدى كل ذلك الى ما نحن فيه الان من بطالة وفقر وجوع”.

ويقول الجاف “نمتلك أموالا كثيرة مكتنزة، لكن انعدام التخطيط العلمي لإدارة هذه الأموال في مشاريع خدمية مفيدة حال دون دعم القطاع العام وحتى الخاص أيضا، بشكل يسهم في التنمية نحو التطور المنشود، خاصة ونحن لدينا عقول مهنية كبيرة يمكن زجها في مفاصل مختلفة، إذا كانت هنالك نية حكومية صادقة لحل المشاكل القائمة”.

ويدعو الى “فتح باب الاستثمار تحت الاشراف الحكومي بعيدا عن المصالح الشخصية لبعض المسؤولين، بما يكفل بناء وتأسيس المشاريع الهادفة التي يمكن ان تؤدي الى حل ازمة سوق العمل والحد من البطالة، التي يعاني منها اغلب الشباب العراقي، خصوصا ونحن لدينا اليوم جيش من الخريجين العاطلين عن العمل”.

ويؤكد ان “منظومة التحاصص الطائفي سبب رئيسي في تدهور سوق العمل، فنحن لا يوجد لدينا بناء بل هناك سرقات ومجاميع مهيمنة متنفذة توزع المقاولات والمشاريع في ما بينها”.

ويخلص الى القول “لا يمكننا النهوض بسوق العمل، ما لم توجد هناك كفاءات مهنية وطنية تأخذ على عاتقها هذه المهمة، ويؤمنون بان المسؤولية هي تكليف وليست تشريفا”.

عرض مقالات: