مع بداية كلّ عام دراسي جديد، يشكو التلاميذ والكوادر التدريسية من اكتظاظ الصفوف وعدم قدرتها على احتواء أعداد الطلبة والتلاميذ. وبرغم الوعود والخطط الكثيرة التي وضعتها الحكومات المتعاقبة، إلا أن هذه الظاهرة آخذة بالتزايد حتى باتت العديد من المدارس متخمة، ولا تستطيع أن تقدم الخدمات التعليمية والتربوية، ما جعل الأمر يتطلب 10 آلاف مدرسة على أقل تقدير، للبدء بفك الاختناقات والسير نحو تذليل المشكلة لا أكثر.

مشاهد مأساوية

لم يمض على بداية العام الدراسي سوى أسابيع قليلة، حتى طفت على السطح المساوئ والشوائب التي تحيط بالواقع التربوي في البلاد. فالصف الدراسي الذي يجب أن يحتوي على عدد معقول من الطلبة أو التلاميذ، وصل في بعض المدارس إلى أرقام غير منطقية، تتراوح من 50 إلى 80 فردا أو حتى أكثر بحسب تصريحات نواب ومسؤولين.

وتابعت “طريق الشعب”، واقع حال عدد من المدارس لغرض نقل صورة حيّة عنها وعن معاناتها مع الاكتظاظ، فيما رصدت مناشدات كثيرة بهذا الشأن.

ففي واسط مثلا، وجه ناشطون مناشدات عديدة لتغيير واقع بعض الصفوف التي تضم قرابة 1700 تلميذة وتلميذ في 14 كرفانا وسط المحافظة. بينما هي تفتقر لأبسط الخدمات وتكتظ بالطلبة بشكل خانق ومأساوي. 

ودعا الناشطون عبر مناشداتهم، الخيّرين إلى التبرع بوسائل التبريد والتدفئة، إلى هذه الكرفانات، بعدما تخلت الحكومة عن مسؤولياتها، وأوصلت حال التعليم إلى ما هو عليه بحسب الفيديوهات التي نشروها.

وحتى أيام قليلة مضت، أثارت بعض الصور لتلاميذ يعبرون مكانا خطرا جدا للوصول إلى المدارس في واسط أيضا، ما أثار حنق واستياء الرأي العام الذي تداول المشاهد على نطاق واسع، واستغرب كيفية أن تتفرج الحكومة المحلية على طلبة وتلاميذ المحافظة، وهم يعبرون حافة ضيّقة جدا، قد تؤدي إلى وقوعهم في داخل مستنقع خطير. وردا على ذلك، تمت معالجة الأمر (حكوميا) بوضع خشبة ضيّقة كأرضية للعبور، ما دعا إلى السخرية من المبادرة.

أما ما يجري في ثانوية سيناء بمحافظة بابل/ ناحية النيل، فكان الأمر واضحا بعد حديث الأساتذة عن واقع حال المدرسة، التي يتجمهر الكثير من طلبتها في الباحة، ولا يستطيعون الدخول إلى الصفوف، نتيجة لاكتظاظها وبلوغ الجالسين خطوات قريبة جدا من السبورة. وناشد الأساتذة الجهات المعنية لإنقاذ الطلبة وحل هذه الأزمة الكبيرة التي تحرم الكثير من حق التعليم.

ما الفائدة من التصريحات؟

وتعليقا على هذه الظاهرة، تتحدث وزارة التربية والجهات النيابية والحكومية ذات العلاقة، عن خطط كثيرة ومفصلة لتحسين الواقع، لكن الأحاديث لا تعدو أن تكون وعود وتطمينات، فيما تمر السنوات من دون أي تقدم ملحوظ أو تخطيط جوهري للقضاء على ظاهرة اكتظاظ الطلبة في الصفوف. ويقول المتحدث الرسمي باسم وزارة التربية، حيدر فاروق، إن الوزارة تطمح إلى “تكون هناك أبنية مدرسية أكثر، فالعراق بحاجة إلى أكثر من 10 آلاف مدرسة على الأقل لفك الدوام المزدوج والثلاثي”، لافتا إلى أنه “تمت المباشرة بتصميم مدارس من قبل وزارة الإعمار والإسكان لتنفذها الشركات الصينية، وفق إطار النفط مقابل الخدمات”.

وفي حديث سابق للمدير العام في وزارة الاعمار والاسكان، حسن مجحم، أكد أن وزارته “قدمت دراسة متكاملة قدمت إلى اللجنة العليا لبناء المدارس تبين حاجة العراق الفعلية لانشاء 8000 مدرسة، توزع على عموم العراق. وتم إعداد وعرض التصاميم على اللجنة والعمل على قدم وساق للتعاقد مع شركات صينية لتنفيذها”، لكن منذ ذلك الحين وحتى الان، لم نشهد أي تقدم ملموس.

واقع مرير

من جانبه، يتحدث الباحث في الشأن التربوي، علي إبراهيم، عن تراجع الواقع التربوي بسبب قلة الاستثمار في هذا القطاع، وتهالك الأبنية المدرسية بشكل فظيع، ما يضطر عدد من الطلبة الى الذهاب صوب المدارس الأهلية، التي عليها الكثير من الإشكاليات.

ويقول إبراهيم لـ”طريق الشعب”، ان “امتلاء الصفوف الدراسية بالتلاميذ، والنقص الكبير في أعداد معلميهم، جعل متوسط حجم الصفوف الدراسية في معظم المدارس العامة يبلغ حوالي 60 طالبا للمعلم الواحد. كما أن تعدد الدوامات (في المدارس المزدوجة) يعني انخفاض اليوم الدراسي إلى ثلاث ساعات من التعلم، قبل أن يقوم التلاميذ بإخلاء المبنى”، مضيفا ان “التعليم أصبح بالنسبة للطفل العراقي أمرا شاقا في ظل هذه الظروف”.

وتابع الباحث “قبل عامين من الآن، أعلنت اليونيسيف في بيان لها أن نصف مدارس العراق بحاجة إلى التأهيل والترميم. وأن المدارس والكوادر التربوية والتعليمية تعاني من ازدحام الصفوف بالتلاميذ، ويعاني الأطفال من أجل التعليم، حتى اضطر البعض منهم إلى ترك الدراسة في مناطق ظروفها صعبة جدا. حيث أن هذه إدانة واضحة لحكومات ترصد المبالغ الضخمة للقطاع التربوي في الموازنات دون أن تحقق أي شيء يذكر، وتذهب الأموال إلى جيوب الفاسدين، عدا عن التخصيصات الأخرى التي يقدمها برنامج تنمية الأقاليم لتطوير القطاع التربوي والتعليمي”.

نموذج حي: ديالى!

وأعلنت مديرية تربية ديالى، مؤخرا، حاجتها إلى 500 بناية مدرسية جديدة لفك الازدواج في الدوام وتقليل الاكتظاظ في الصفوف الدراسية.

وقال مدير قسم التخطيط في المديرية، فارس عامر، ان “عدد المدارس في محافظة ديالى يبلغ 1556 مدرسة، وعدد الأبنية المدرسية هو 1046 وهذا العدد من المدارس لا يتناسب مع أعداد الطلبة حيث يبلغ عددهم في الصف الواحد 60 طالبا”، موضحا أن “محافظة ديالى تحتاج الى ما لا يقل عن 500 بناية مدرسية جديدة لفك الازدواج في الدوام وتقليل الاكتظاظ”.

عرض مقالات: