الانكماش الاقتصادي حسب التعريف الشائع يقصد به تراجع الانتاج المحلي الاجمالي الحقيقي (المصحح من التضخم) خلال فصلين متتاليين أي ستة أشهر على الأقل على أن يأتي بعده النمو في الدورة الاقتصادية، وهذا التعريف ينطبق على الدول التي تتبع نظاما رأسماليا فكيف الحال في بلد يتبع نظاما اقتصاديا هجينا لا هو بالاقتصاد الرأسمالي ولا بالاقتصاد الموجه كما هو حال الاقتصاد العراقي الذي يعاني من مرض الانكماش بصورة دائمة منذ عام 2003.

إن أسباب الانكماش عندنا مختلفة عن وضع الاقتصاد في الدول الرأسمالية المستقرة سياسيا بسبب طبيعة سياساتها الاقتصادية والفكر الذي يخطط لهذه السياسات، ففي العراق مثلا تمثل حالة الانكماش في الاقتصاد صفة الثبات والديمومة ويمكن تلخيصها بأربعة أسباب رئيسية:

  1. الاعتماد على الريع النفطي كمصدر أساس لتمويل الانفاق العام وضعف الاهتمام بالمصادر الاخرى وخصوصا القطاع الانتاجي الحقيقي في الزراعة والصناعة، وفي هذا المجال فان الايرادات النفطية تشكل أكثر من 94 في المئة من تمويل الموازنات السنوية منذ عام 2003 وأكثر من 60 في المائة من الناتج المحلي الاجمالي.
  2. وبموجب السياسة الحكومية فان الريع النفطي يحول إلى الاستهلاك وتحول المجتمع بسببه إلى مجتمع استهلاكي ضعيف الانتاجية وهذا أدى إلى ابتلاع مئات المليارات من الدولارات دون أي تطور ملموس في إعمار البنية التحتية.
  3. انتشار ظاهرة الفساد في كل مفاصل الدولة وتحوله إلى منظومة مدعومة من قبل القوى المتنفذة والتي تمارس تأثيرها في التوجهات الحكومية وأنشبت مخالبها في كل أجنحة الدولة، وتسببت في خلق بيئة طاردة للاستثمار عبر الابتزاز والتشدد غير المبرر في الاجراءات.
  4. الاضطراب الأمني وانتشار قوى الإرهاب المدعومة خارجيا فضلا عن فصائل منفلتة تتحكم في إدارات الدولة وتمارس أنشطة اقتصادية خارج الاقتصاد الوطني والذي يكنى بالاقتصاد الموازي.

وفي تقرير لمعهد التمويل الدولي فإن العراق يمر بأسوأ نسبة انكماش منذ عام 2003 حيث بلغت هذه النسبة 11،2 في المائة بسبب صدمتين أساسيتين الأولى انخفاض أسعار البترول والثانية جائحة كورونا، وقد وجدت ظاهرة الانكماش تعبيرها بتضخم عجز الموازنة بنسبة 16 في المائة من الناتج المحلي الاجمالي في عام2020، وحسب تقديراته فإذا وصل سعر البرميل من النفط 47 دولار فإن نسبة الانخفاض في التضخم تصل في عام 2021 إلى 8 في المائة وإذا وصل إلى 57 دولار فان الانخفاض يصل إلى 1 في المائة.

 والأهم من كل ما تقدم فان سياسة التقشف التي اتبعتها الحكومات العراقية منذ عام 2014 وتفاقمت في ظل الحكومة الحالية بعد لجوء الدولة إلى استقطاع رواتب الموظفين والمتقاعدين بما اسمته ضريبة الدخل على اجمالي الراتب بنسبة 25 في المائة اضافة إلى الضرر الذي لحق بهم من خلال خفض قيمة الدينار العراقي والضرائب غير المباشرة التي تتجلى في ارتفاع أسعار السلع الأساسية بحجة تصحيح الاختلال في الانفاق المالي ما ترتب على ذلك انخفاض الطلب الكلي وتعميق في الانكماش، زد عل ذلك إهمال المشاريع الحكومية وتحولها  إلى عبء على الدولة في الوقت الذي كانت لديها القدرة على توفير السلع التي يحتاجها السوق العراقية بنسبة 32 في المائة مما اضطر للاستيراد الخارجي وبالتالي سبب  خروج العملة الصعبة وانخفاض الاحتياطي النقدي من العملات الأجنبية.

ان تحويل الاقتصاد العراقي إلى اقتصاد نام لا يتم الا عبر مراجعة جذرية للسياسات الحكومية التي قادت إلى هذا الاختلال من خلال التخلص من حالة الضعف في النشاط الاستثماري التي وضعت العراق في المرتبة 171 من أصل 190 دولة، وتنشيط الطلب الكلي والتحول إلى قطاعات الانتاج الحقيقي من خلال الصناعة التحويلية وتنشيط القطاع الزراعي والتكامل بينهما والتوقف عن الافراط في الاقتراض الخارجي حتى لا يتحول عبئا على الانفاق الحكومي وتفعيل التشريعات التي تسهم في الحفاظ على أموال الدولة من الهدر والسرقة.

عرض مقالات: