مخاوف شح المياه في العراق تزداد يومياً مع إنشاء تركيا سدود إضافية والتي تعد المنبع الأصلي لتغذية نهري بلاد الرافدين، ومما لا شكَّ فيه أن أزمة مياه خطيرة قادمة، وقد تؤدي إلى تصحُّر مساحات شاسعة من ارض العراق.

وانعكاس أزمة المياه وخطر نفاذ الموارد المائية على انتاج “الشلب” الذي يحتاج للمياه بشكل كبير، أي أن العراق هو الاكثر تضررا لكونه يحتاج إلى ما يقارب 73 مليار م3 من المياه سنويا لزراعة 22 مليون دونما حسب الجهاز المركزي للإحصاء، استخدام الموارد المائية، سنوات متعددة.

ان جذور أزمة المياه ترجع حينما أثارت تركيا لغطا كبيرا في الإعلام والشارع العراقيين، عندما بدأت بملء سد اليسو المقام على نهر دجلة، ودق ناقوس الخطر حول المستقبل المائي لمنطقة وادي الرافدين، كما حصل لمنطقة في وادي النيل عندما بدأت اثيوبيا ببناء سد النهضة، متناسين أن الزيادة الكبيرة في تعداد سكان هذ المناطق، والحاجة الماسة لتوفير الغذاء لهم وكذلك لتوليد الطاقة الكهربائية، كلها عوامل شجعت تركيا واثيوبيا على بناء هذه السدود، وتزامن الأمر مع الاستخدام الجائر للمياه في الزراعة إضافة إلى التغيرات الكونية للمناخ والتي قللت الأمطار بشكل كبير وهي المورد الاساسي لمياه الرافدين والنيل، وكلها عوامل تتطلب التخطيط والإدارة السليمة والجيدة للموارد المائية.

وشكل سد أليسو التركي الذي يقع على نهر دجلة تهديدا مائيا مباشرا، إذ تراجعت المياه الواردة إلى العراق بسببه إلى ما يقارب النصف مقارنة بالسنوات السابقة، حيث يستوعب السد نحو 20.93 بليون متر مكعب.

ومن جانب آخر، كانت إيران اتخذت خطوات أخرى تتعلق بالاحتياطات المائية حيث قامت ببناء سدود على روافد نهر دجلة قبل الدخول إلى الحدود العراقية فيما قامت بتحويل مجرى بعض الأنهار المتجهة للعراق وإعادتها إلى الأراضي الإيرانية.

ومعلوم أن كمية المياه المتدفقة في نهري دجلة والفرات تعتمد على كمية الأمطار والثلوج الساقطة في تركيا وشمال العراق وغرب إيران وشمال سوريا وعلى التغيرات المناخية العالمية، وتسمى مواسم الأمطار الشديدة بالسنوات الرطبة.

هذه الأسباب الخارجية أشعلت المشاكل بين المحافظات الجنوبية بشأن الحصص المائية التي يتم منحها من قبل وزارة الموارد المائية،

ومن جهة أخرى، يعاني نهر شط العرب الذي يغذي البصرة والمحافظات الجنوبية من وجود بكتيريا تسببت في حالات تسمم إضافة إلى ارتفاع ملوحة المياه جراء إلقاء مخلفات إيرانية في نهر كارون الإيراني المغذي لشط العرب.

وقال مسؤول حكومي لرويترز أن بحيرة حمرين (45 كم شمال شرق بعقوبة) والتي تعد أكبر خزين استراتيجي للمياه في ديالى، جفت بشكل شبه تام بسبب انعدام الأمطار للموسم الشتوي المنصرم، وتحولت إلى مقالع ومصادر للمواد الانشائية “الحصى والرمل”، ومصدر لتجارة التراب من قبل أصحاب الشاحنات.

يشار إلى أن القطاع الزراعي في العراق لم يحظ باهتمام الحكومات العراقية المتعاقبة، على رغم وجود عوامل مشجعة بشرية ومناخية ومالية وفنية، وقد أدى هذا الإهمال إلى تدهور مستوى الإنتاج الزراعي المحلي، وتحول العراق من بلد زراعي منتج ومصدر، إلى بلد مستهلك ومستورد للمنتجات الزراعية على اختلافها من بلدان الجوار.

تعتبر محافظة القادسية من المحافظات الاولى بزراعة الشلب وخاصة نوع العنبر، وتعد الأولى في العالم لأنها تعتبر من المناطق الزراعية حيث يعتمد سكانها على محصول رز العنبر، وهناك أنواع اخرى مثل الياسمين والنعيمة والحويزاوي ولكن العنبر له نكهة خاصة، والمزارعون هنا لديهم خبرة عن الاجداد في كيفية زراعته والاهتمام بهذا المحصول لما لديه من نكهة خاصة”. مضيفاً “في العالم يعتبر رز العنبر من أجود المحاصيل العالمية وتكثر زراعته في المشخاب وينافس في الأسعار منتوجات الهند ودول اخرى”.

وتتم زراعته في الشهر الرابع، واما العنبر يزرع في السادس لغاية شهر 11 وحتى مخلفات المحصول تعتبر من العلف اليابس للحيوان وخاصة الجاموس”.

 من جانبها وزارة الموارد المائية كانت قد اشترطت على مزارعي الشلب زراعة محاصيلهم بالواسطة، أي باستخدام المضخات لعدم تمكنها من توفير المياه الكافية للري سيحا في حقول الشلب.

 وأوضحت ان الزراعة بالواسطة تحتاج إلى كهرباء وإلى وقود لتشغيل المضخات، وهي جميعا امور غير متوفرة لدى المزارعين.

يذكر أن محافظة الديوانية، تعد من المحافظات الزراعية المهمة في العراق، إذ تبلغ المساحات الزراعية فيها نحو ثلاثة ملايين و268 ألف دونم، منها مليون و420 ألف دونم صالحة للزراعة، فيما يعاني المزارعون من شح المياه الذي أدى إلى تقليص المساحات الزراعية.

إن مشكلة المياه وزراعة الشلب في العراق تتطلب تنسيقا وعملا مشتركا بين وزارات ومؤسسات عديدة إضافة إلى تعاون المواطنين وخاصة المزارعين منهم، وتشكيل سلطة للمياه أمر ضروري لوضع استراتيجية شاملة للسنوات المقبلة، والتنسيق ما بين الوزارات والإدارات المختلفة وهي ليست بالمهمة السهلة والقابلة للتنفيذ من دون عوائق كبيرة.

وبالرغم من إتمام دراسة استراتيجية لغاية العام 2035 إلا أنها ليست استراتيجية مائية واضحة المعالم ولم تأخذ بنظر الاعتبار الواقع المائي الحالي والمستقبلي في ظل الظروف السياسية لواقع دول الجوار الجغرافي وما يجري من تنفيذ أهداف هذه الاستراتيجية لم يأخذ بالحسبان السياسات المائية المبنية على استخدام المياه كورقة سياسية، وهذا الاستعمال يحتاج بلا شك إلى حكومة مركزية كفؤة وقوية مع وعي جماهيري، يدرك خطورة خنق العراق بالاستحواذ على حصصه المائية المقررة.

أقول بهذا الصدد إنه “بسبب قلة المياه وعدم وجود حلول سريعة من قبل وزارتي الموارد المائية والزراعة سيكون هناك إجبار على ترك زراعة الرز وإيجاد عمل آخر”. فزراعة الرز تحتاج إلى غمر بالماء لستة أشهر في ظل أزمة المياه القائمة.

وان الذي يتابع الواقع الزراعي في بلاده، ومعاناة المزارعين، يلاحظ أن “المساحات التي استغلت لزراعة محصول الرز ستتقلص وبشكل كبير حيث أن “رز العنبر العراقي المعروف سينتهي وجوده من البلاد إن استمر الوضع على ما هو عليه الآن”.

خصوصاً ان شحة المياه أدت في العراق إلى ارتفاع نسبة ملوحة التربة من 500 إلى10000 جزء بالمليون وهذا يؤدي حتما إلى الحد من قدرة الأرض على زراعة بعض المحاصيل الاستراتيجية مثل الرز والقمح وغيره.

ولا يغيب عنا إن السنة الحالية تعد من السنوات الجافة والتي شهدت انخفاضاً كبيراً في مستوى الأمطار الموسمية، مما يعرض العراق” لأخطر أزمة مياه كبيرة.

وهذا ما حدا بوزارة الزراعة خلال السنوات الماضية على البحث عن أصناف جديدة من الأرز كالفرات والياسمين، بفضل انتاجيتهما العالية من جهة، وعدم حاجتهما إلى مياه كثيرة من جهة ثانية. غير أن نكهتيهما ليستا في مستوى نكهة العنبر”.

ولحاجة البلد لمادة الرز الحكومة خصصت أموالاً لتغطية استيراد الأرز على نحو يوفر إمدادات تغطي حاجة البلد، حيث تقوم “وزارة التجارة بالتعاقد في كل عام مع شركات في دول مختلفة، لاستيراد ما بين 800 - 950 ألف طن من الأرز، من أصل حاجة البلد السنوية التي تقدر بمليون و300 ألف طن”.

لتأمين حاجاته المقدرة بـ 120 ألف طن شهرياً، لذا يعتمد العراق على الاستيراد الذي يتم عبر مناقصات تعلنها “شركة تجارة الحبوب” التابعة لوزارة التجارة، وهذه المناقصات تجري مرة كل 4 أو 6 أشهر، يذكر أن إجمالي المشتريات الحكومية بلغ 260 ألف طن خلال الموسم التسويقي الحالي، بعد أن كانت مشتريات البلاد من الأرز المحلي بحدود 306 آلاف طن خلال موسم 2019-2020، بعد انتهاء أحد أفضل المواسم منذ عقود طويلة.

الحكومة مطالبة بالتسريع في إقامة مشاريع الري، لسدّ النقص في المياه في مناطق زراعة الأرز، فضلاً عن رفع مبالغ التسويق لمزارعي الأرز، بأنواعه كافة، أي أن لا يقل سعر الطن لوزارة التجارة عن 1250 دولاراً، من أجل تحفيز المزارع على زيادة مساحات زراعة الأرز، فضلاً عن دعمه بالقروض المالية لتذليل الصعاب الكثيرة.

مما تقدم يتضح إن العراق أمام مشكلة مياه كبيرة مقيدة لطموحاته الزراعية لكونه الشريك الثانوي في مياه مشتركة مع شركاء لم ينصفوه يوما ولم تنفع معهم كل المحاولات السياسية لتحديد حقوقه العادلة.