...مع ترجمة فتحي العشري 1971 لانفعالات ناتالي ساروت..كان التجريب القصصي قد اتخذ مساره المغاير للمنحى المألوف والسعي الى ابتكار آليات واعتماد اشتغالات فنية واسلوبية متجاوزة..بتأثير عوامل داخلية في مقدمتها حركة الترجمة نتيجة الاحتكاك بالعالم الخارجي.. وعوامل خارجية يأتي في مقدمتها حركة الحد الادنى التي نادت بـ (كتابة مختصرة لحياة مختصرة) ..فكانت القصة القصيرة جدا المسايرة للعصر الذي وسم بعصر السرعة..التي بدأها نوئيل رسام 1930 بقصتين (موت فقير) و(اليتيم).. بعده برزت القصة القصيرة جدا بعدد محدود ضمن مجاميع قصصية كما فعل احمد خلف  في مجموعته (نزهة في شوارع مهجورة)..اذ ضمنها خمس قصص قصيرة جدا..ونشرت بثينة الناصري في مجموعتها(حدوة حصان)1974 قصة اسمتها(قصة قصيرة جدا) ونشر القاص خالد حبيب الراوي خمس قصص قصيرة جدا ضمن مجموعته (القطار الليلي)1975..ثم كانت مجاميع القص القصير جدا ضمنا واستقلالا.. فكان نتاج عبدالرحمن مجيد وابراهيم احمد  وحنون مجيد وحسب الله يحيى ومحمد سمارة وهيثم بهنام بردى وزيد الشهيد وصلاح زنكنه......وابراهيم احمد المقالي في(مسودة الحياة) والروائي في (طفل الـ cnn)..والريادة في القص القصير جدا باصداره مجموعته القصصية التي حملت عنوان(عشرون قصة قصيرة جدا)..تبعها (زهور في يد المومياء) فـ (صفارات الانذار في مدينة قابيش) و(بعد مجيء الطير) فضلا عن (التيه في آيس) التي شكل عالمها السردي خليطاً غير متجانس من الحكايا  الميثولوجية والاساطير والخرافات..

ـ ابراهيم احمد..الذي تشكلت عوالمه الابداعية اولا من كتابة قصيدة النثر التي سببت له مــلاحــقات امـنية اضــطرته على الاختــفاء بــعد ان نــشر نصه (المصورون يتجولون في الليل)..الــذي اقام الدنيا واقعدها..وعلى اثر ذلك يهجر الشعر ويوظف طاقته الشعرية ويصبها في قالب القص القصــير جدا والمــقالة الادبية المــشاكسة والتحقيق الصحفي المثير للجدل..حتى ان تحقيقه(الدراويش يبحثون في دمهم عن الحقيقة) أوشك ان يؤدي به الى الهلاك من قبل اصحاب العقول المقفلة على ذاتهاالجامدة..فعاش بين رعبين منتجا..اولهما رعب السلطة الامنية ..وثانيهما رعب المتطرفين الساخطين على الفكر التنويري..

ـ ابراهيم احمد في قصصه يشيع المناخات الشعرية كي لا يقمع الحلم الشعري القابع في ذاته الاخرى..لذا فهو يختار الالفاظ الموحية..البعيدة عن الضبابية والغموض..مع تكثيف واختزال جملي وقدرة على التقاط الذروة الدرامية وخلاصة اللحظة المستفزة للذاكرة..مع ابتعاد عن الاستطراد الوصفي واعتماد الجملة الفعلية التي تسهم في تسريع النص..فضلا عن توظيفه للرمز والضربة الاسلوبية الادهاشية المفاجئة..

ـ ابراهيم احمد..في نصوصه القصصية يعتمد التكثيف ليقترب من الشعرية في ومضها وتوهجها المشحون بالخيال والموسيقى المنبعثة من بين ثنايا عباراته..لكنه يختلف عنه في الحدث وعنصر الفعل مع اضاءة سريعة للحظة المكانية المكتفية ذاتيا والمستغنية عن التفاصيل التي تفسدها وهدفها..

ـ ابراهيم احمد..طريقة الكتابة عنده ترتبط بالموضوع وتهتم بالفكرة دون الاهتمام بالشخوص والسرد..وهذا يعني ان الشخصية تتصرف وفقا لفكرة المنتج (القاص) لا تبعا لتكوينها الخاص.. وبالنتيجة فقدانها للحرية امام التوجيه الذي يوجهها..

هنا نستذكر ارسكن كالدويل الامريكي كانموذج يقتدى بنصوصه الخمسة والخمسين  نصا المترجمة.. منها: ( بلغت حرارة الشمس درجة جعلت طائرا يهبط ليتفيأ في ظلي)..

عرض مقالات: