بعد إنتهاء الحرب العالمية الثانية بفترة، إتجه الصحفيون والكتاب في المانيا لأسباب تاريخية، موضوعية وسياسية مباشرة ـ نحو رسم رؤية واقعية جديدة تجاه العالم وما يحيطه من نشوء متغيرات جيوسياسية، موصوفة بالالتزام الأخلاقي، بالضد من النظرة الشمولية «الكليانية» التي كانت سائدة في أكثر من مكان في بداية الربع الأول من القرن الماضي في اوروبا. تميزت بسيطرة الدولة على المجتمع بالقوة للتحكم بكافة أوجه الحياة بما في ذلك الاقتصاد والتعليم والأخلاقيات العقائدية وكافة جوانب الحياة العامة والخاصة للمواطنين. بهذه المكاشفة المذهلة لنقد الحدث «الحربي» وأسبابه، بما في ذلك قضايا العرق والطبقة والسلطة الأبوية وآثار الرأسمالية الراديكالية والقمع السياسي، كان لابد وقبل كل شيء، جعل القضية أمرا «جمعيا» ليصبح ما يعتبر جزءا لا يتجزأ من الإنسان، هم موجودون فيه. بمعني تطوير القدرة الذاتية لأن تكون طرفاً مسؤولاً عن كل ما يحدث وما يتعلق بحياة الافراد والمجتمعات.. كان من وراء الفكرة في ذلك الوقت بالأساس، التوعية الفكرية المعاصرة لإنعاش آمال الشعوب بالاستقرار والعدل والسلام. المشاركون في اللقاء الرعوي المنعقد في ذلك الوقت في برلين، اعتبروها مسألة فريدة في غاية الاهمية. ومن الناحية السياسية والقناعة الفكرية، فلسفيا وأخلاقيا، يجب أن ترتبط ارتباطا وثيقا بـ «الحرية»: «كن ما أنت عليه». لكن إجعل من ارادتك «قلمك» وسيلة إعتبارية قوية مقرونة بحياة الانسان وضمان مستقبله بكل تفاصيله وإحتياجاته الروحية والمادية المعاصرة.   

افترض مؤسسو هذا الحراك الانساني لمواجهة الصراعات والحروب لانقاذ البشرية من ويلاتها، بعد الحرب العالمية الثانية، اهتمام وسائل الإعلام والمؤسسات الثقافية والبحثية لتطوير القدرات البشرية الفكرية في ظرف غير عادل. وكانت قناعة الصحفيين والمفكرين والفنانين والعلماء الذين ارتبط اسمهم بهذه المسار.. ان لا مجال الا التوعية المجتمعية على نحو: أولاً وقبل كل شيء الدفاع عن الحرية ومساعدة الناس ليصبحوا جزءا لا يتجزأ من الوجود الإنساني. بمعنى القدرة على تحمل المسؤولية تجاه الإنسانية لتتطور وتعيش بأمان ورفاه. أو بمعنى آخر: اعتبار وجهات النظر بين مختلف الناس أمرا أساسيا لترسيخ الوعي المرتبط من الناحية الموضوعية بالحرية. وبالتالي فان قراءة هذه المفاهيم قراءة «سليمة» سيشكل المألوف في حياة المجتمعات العامة. لقد تركت هذه النخبة التي خرجت تواً من ويلات الحرب ومعاناتها أثرا توعويا مميزا وتقاليد فكرية ذات طابع انساني لشعوب ما بعد الحرب في أوروبا، دفعت أكثر نحو العقلانية السياسية الملتزمة تجاه العالم. انموذجا لذلك، فسر اضافة «الحرة» الى اسم جامعة برلين عند تأسيسها في نهاية عام 1948، ونُقشت كلمة Libertas ليبرتاس على بوابتها الرئيسية ليكون ذلك واحداً من التزامانها الاخلاقية الموسومة بأهمية الدفاع عن «الحرية» المطلقة للانسان.  

وبالعودة الى أهمية اكتساب المعرفة ونشرها كنماذج لمواجهة الأوضاع التي تعاني منها المجتمعات، فقد ركزت تلك الفترة المميّزة بمحاكاتها للنسبية الثقافية على مفهوم «الحرية» بين مختلف الناس. ويبدو للوهلة الاولى أن حريات العصور القديمة والحداثة لا شيء يجمع بين بعضها البعض، وان بينهما العديد من المباريات المثيرة. لكن كما يبدو، فان مفهوم التحرر Libertas نفسه في السياسة المتغيرة باستمرار وظروف الإطار التاريخي على مر القرون قد يتغير هو الآخر.. تتميز شوارع روما القديمة، في كل مكان، بنقوش تشير الى مفهوم الحرية، ويظهر الحرف «L» منقوشا على هياكل القبور وفي الواجهات بطريقة تجعل الصور المرسومة كما لو كانت تطل من النوافذ على الشوارع وأن وجوه الرجال بسماتهم العمرية المصممة بواقعية، والتي تتميز بالعمل والقلق، تتوافق مع أفكار الرومان الحقيقيين للجمهورية، مثل أبناء الطبقة العليا من أمثال كاتو أو قيصر. سياق الكلام، يشير الحرف «L» إلى الحرف الاول من كلمة Libertus اللاتينية وتعني الانسان الحر وكلمة Liberta الايطالية وتعني الحرية، كلاهما يدور حول السيد «المحرِر» والعبد السابق «المحَرَر» الذي حصل من سيده على الحرية والحرية المكتسبة.  

الحرف «L» المنقوش على واجهات تلك الأزقة القديمة والأسلوب الذي تعبر عنه تلك النقوش المنسوجة بشكل دقيق، يعني الحرية ـ وتحديدا الحرية الشخصية لفهم التحرر من وضع قانوني غير حر - في حالة الحقوق المدنية الرومانية. فالحرية Libertas على النقيض من servitus اللاتينية التي تعني العبودية التي نشأت مع مرور الوقت.

فما الحرف الذي على العراقيين إختياره لنقشه على هياكل قبورهم وواجهات شوارعهم الخربة وأزقة مدنهم المدمرة التي خلفها الحكام البرابره في اوقات مضطربة بشكل ديناميكي على مدى عقود. مساحات واسعة من «الحرية» اقتلعت من جذورها، وانتزعت عنها صلتها بالهوية الشخصية والوطنية. فأي ارث حضاري سيترك العراقيون، يُعتز به وتستذكر جمهوريتهم العتيدة مآثره؟. وأي نفحات يسيرة تضاف الى إرث ما خلفته عصور آشور وسومر وبابل، نهلت منه حضارات وشعوب.. نيل العبد الحرية المدنية في الجمهورية الرومانية والعصر الإمبراطوري، ارتبط كما يبدو بطقوس تتميّز بالخلق والنبل، فقط، غطاء الرأس كان رمز حريته الجديدة. قد يكون ذلك غريبا، لكنه بالمقارنة مع طقوس سلطة في دولة ظلت مخفية عن الوعي، تتحكم فيها أحزاب وكتل طائفية وأصحاب عمائم لا يفقهون في السياسة والقيم الانسانية او فلسفة مفاهيم الموروث واللياقة الأدبية، فإن المواطن الحر في بلاد الرافدين عبدا تتجاذبه عهود ما قبل التاريخ إلى الحد الذي تشل فيه معظم القيم.!   

عرض مقالات: