في كتابه (على مائدة كورونا) يرى الكاتب والصحفي علي حسين بأننا “عندما نتحدث عن وجودنا فإننا نقصد به وجود البشرية ككل، فالقضية لم تعد مصير الانسان الفرد كما في روايات دوستويفسكي، فالإنسان أصبح سيدا للطبيعة إلى الحد الذي أصبح فيه يستطيع أن يمحو كل أثر للحياة،”.

هل سيتمكن الانسان من اتخاذ القرار المناسب الذي يحفظ وجوده؟ سؤال يحاول الكاتب علي حسين الإجابة عليه في كتابه “على مائدة كورونا” والصادر من دار الكتب العلمية ب ١٨٥ صفحة، من خلال الاستعراض الفكري والفلسفي ل ٢١ من أهم الفلاسفة والادباء والمفكرين المعاصرين، مثل فوكوياما، وسلافوي جيجيك، وامارتيا سِن، ونعومي تشومسكي، وأمين معلوف، والآن تورين، وادغار موران، واورهان باموق، واليف شافاك، وغيرهم من أرباب الفكر والفلسفة والثقافة والأدب، المعاصرين والذين تناولوا فكرياً وفلسفياً جائحة كورونا وتأثيرها على المجتمع العالمي بشكل عام وعلى المواطن بشكل خاص، بصفته المستهدف الرئيسي سواء من الوباء أو من الإجراءات الاحترازية على حد سواء.

يتناول الكتاب هذه النّخَب ممن عاصروا وعايشوا أزمة كورونا، ويسلط  الضوء على نقدهم للفكر العالمي الذي واجه هذه الأزمة والمتمثل غالباً بالفكر الرأسمالي المهيمن في الدول الكبرى، وسقوطها المدوي في “الاغراء النفعي” كما يصفه الكتاب والذي يعني به تفضيل وترجيح كفة الاستقرار الاقتصادي واعتبار أهميته أكبر من أهمية قدرة النظام الصحي على توفير الرعاية الصحية للأعداد الهائلة للمرضى، وبالتالي تزايد معدلات الوفيات في هذه الدول، بالرغم من كون الانسان يفترض أن يمثل أعلى أولويات هذه الحكومات، وخصوصاً بالنسبة للسياسات الكبرى لتلك الدول التي طالما تبجحت بالإنسان وحقوقه المفترضة، وأراقت بتلك الذريعة انهار من الدماء والدموع، فهل كان الانسان وصحته وسلامته في أعلى قمة هرم أولويات الفكر الرأسمالي باعتباره الايدلوجية الاقتصادية والسياسية السائدة في تلك الدول؟؟ ولعل هذه الصورة المشوهة للأسس الاقتصادية والاجتماعية والإنسانية التي تحكم العالم الآن بالفعل أخرجت ماركس من قبره كما يصف علي حسين لإعادة النظر بالأخلاقيات التي تسير العالم اليوم، والتي أودت بالمؤسسات الحكومية أن تضع المصلحة الاقتصادية ليس فقط فوق مصلحة الانسان بل فوق وجده اصلاً.

يصور كتاب “على مائدة كورونا” للقارئ التبدل الحاصل في الفكر الإنساني تحت ضغط الجائحة، ووضع العالم امام إشكالية متنوعة من عدم اليقين فهذا الفيلسوف الفرنسي “ادغار موران” الذي استبق الأحداث بإصدار كتابه “هل نسير إلى الهاوية” عام 2007 ليعلن في وقتها أن العالم أصبح محكوماً بمصير جماعي موحد، يعود ليقف وهو في عمر التاسعة والتسعين حائراً وعاجزاً عن إدراك وجهة الانسان القادمة” فنحن لا نعلم شيء عن مصدر الفايروس، سوق الحيوانات بمدينة ووهان أو مختبر مجاور؟ ولا علم لنا بالتحولات التي حدثت او ستحدث على هذا الفايروس خلال انتشاره، ونحن لا نعلم متى تتراجع الجائحة وما إذا كان هذا الفايروس سيظل قاتلاً؟”، إن هذه الحيرة الفكرية دفعت بالأسئلة الفلسفية بعيداً عن وجهتهما التقليدية ووجهها التاريخي، كما عند الفيلسوف الفرنسي “ريجيس دوبريه” الذي بدل ملامح سؤاله من “كيف يجب أن يحيا المرء؟ أو ماذا عليه ان يفعل؟ “ إلى سؤال ذي وجهة ثانية بعيدة كل البعد وهو “كيف يمكن أن يحيا المرء”؟ وغالباً ما تكون الإجابة بالعودة إلى منابع المعرفة الاصلية والمتمثلة بالوعي والادراك الإنساني الخالص، والقائم على الاستنباط والاستقراء العقلي، والذي قاد المسيرة المعرفية للإنسان منذ ادراكه الأول ولغاية اعلان موت الفلسفة على يد “ستيفن هوكنج”.

لعل الكاتب علي حسين الكاتب الذي اهتم بالأدب وانشغل بالفلسفة، وعاش معظم حياته متنقلاً بين صفحات الكتب وطيات الاوراق، عاشقاً لرؤية دوستويفسكي وثورية ساتر، واوهام دون كيخوت،  قد اثار في هذا الكتاب العديد من الأسئلة التي يمكن ان نصفها بالأسئلة الحية النابعة من حيرة الانسان اليومية في مواجهة خطر الموت الجماعي فهو يرى “ان مسألة الوجود الانساني لم تعد مقتصرة على نصوص الروائيين وقصائد الشعراء وتنظيرات الفلاسفة، والغازهم في الوجود والعدم، وانما اصبح الوجود الانساني موضوعا يناقش على المائدة في البيت وسط حالة من الذعر أصابت البشر بعد انتشار فايروس كورونا”، في الوقت الذي اعتقد فيه الكثيرون بموت الفلسفة بمفهومها التقليدي وانحسار تأثير رجالها، امام التقدم العلمي والمعرفي الهائل الذي سحب البساط من تحت اقدام الطرق التقليدية للتفكير والتأمل والبحث العلمي للإنسان، ولكن الازمة الصحية التي ضربت العالم بأسره أعادت للفلسفة اعتبارها كما يرى الفيلسوف الفرنسي “جان لوك نانسي” الذي سبق وكتب أن الفلسفة تصبح وثيقة الصلة للغاية بين الناس في حالات الازمات، حيث تزدهر الأسئلة العميقة التي تناقش البوصلة الأخلاقية للأفراد والسلطات”، وبشرت بقرب ولادة فكر جديد يولد من رحم المعاناة الانسانية كما يرى الفيلسوف والمفكر “سلافوي جيجيك” الكهل الذي بلغ 71 عاماً، بمظهره البسيط وتيشيرته الملون وطريقة كلامه وقصة شعره التي جعلت البعض يشبهونه ب “الفيس بريسلي”، والذي تنبأ بولادة هذا الفكر الجديد انطلاقاً من فكرة اليأس، فعلى العالم كما يراه جيجيك ان يجمع قواه لتّحمُل اليأس والاعتراف بأن الضوء في نهاية النفق يأتي من مصباح في قطار آخر يقترب، وأن علينا الادراك بأن التغيير الاساسي يمكن أن يكمن في زاوية أخرى من تفكيرنا، ففي ظل عجز الرأسمالية عن بناء المدينة الفاضلة حتى بعد مرور عقود على سقوط جدار برلين، يرى جيجيك أن الفوضى القادمة هي المخاض الاخير للإنسانية، والذي سينتج عنه التفكير في مجتمع بديل خارج الدولة القومية، مجتمع يحقق نفسه بأشكال التضامن والتعاون العالمي.

ويبقى سؤال أخير، في أي خانة نضع كتاب على مائدة كورونا لعلي حسين؟ إذا اخذنا بالاعتبار نصيحة الفيلسوف البريطاني فرنسيس بيكون “بعض الكتب للتذوّق، وبعضها للبلع، والقليل منها للمضغ والهضم”. 

سأترك الاجابة على هذا السؤال للقارئ، واكتفي بالإشارة إلى رأي “كولين كولتر” الناشر بدار “بلومزبري” للنشر “إذا قرأت الكتاب المناسب في الموضوع المناسب وفي اللحظة الحاسمة، ستضمن إحراز النجاح، ولا شك أن الكاتب قد تناول موضوعا مصيريا في لحظة حاسمة من الوجود الانساني، حيث العالم لايزال تحت تهديد فايروس كورونا وتطوراته التي لاتزال تهدد عشرات ومئات الملايين من البشر.

عرض مقالات: