للفقر في العراق قصة طويلة تمتد جذورها إلى حكم الدولة العثمانية، وتبلورت أشكاله ومضامينه إبان ما يطلق عليه بالحكم الوطني ليأخذ منحاه الاستغلالي بعد اكتشاف النفط الوفير. والفقر لا يتأتى كما يقول ماركس إلا نتيجة تراكم الثروة في قطب واحد من المجتمع هو في نفس الوقت تراكم الفقر والبؤس في القطب الاخر. وقد أستهل العهد الملكي حكمه بالتمييز الطبقي الناتج عن إغناء الاقطاعي الغني وافقار الفلاح الفقير من خلال قوانين ملكية الارض او توزيع الاراضي الزراعية وتسجيلها في الطابو، او تنفيذ قانون دعاوى العشائر الذي أصدره الحاكم البريطاني عام 1918لينال الشيخ الاقطاعي سلطة القاضي في إصدار الأحكام وسلطة الدرك في تنفيذها وذلك لهدف واحد الا وهو الاستغلال الأمثل للإنتاج الزراعي على حساب أجر الكفاف للفلاح. ونال عسكريو الحكم الجديد من جنرالات الجيش العثماني نصيبهم من الأراضي الزراعية ليتحولوا إلى سياسيين ورأسماليين استحوذوا على المال والسلطة بالاشتراك مع الاقطاع وبإرادات ملكية متتالية ومنها إرادة ملكية تضمن لشيوخ العشائر 25 بالمئة من عضوية مجلس الاعيان يعينهم الملك.  وقد تحول السواد الأعظم من الناس إلى فقراء يعملون لدى الاقطاعي او الرأسمالي الذي بدأ ينشئ الصناعات منذ العام 1925، أمثال اللواء السابق في الجيش العثماني فتاح باشا، أو الوصي عبد الإله خال الملك فيصل الثاني صاحب مصانع النسيج، او غيرهم من العائلات القليلة التي استحوذت على العقود مع الجيش البريطاني المحتل وبنت شركات صناعية وتجارية مشكلة قطب الأقلية في المجتمع العراقي الذي تكلم عنه ماركس. ولم يكن هناك توزيع عادل لموارد البلد بعد اكتشاف النفط، وكان راتب رئيس الوزراء مثلا في الخمسينات 400 دينار، مقابل راتب اسمي للمعلم 18 دينار و7،500 مخصصات غلاء معيشة،  أو كان راتب خريج الكلية عند التعيين 28 دينار يقابلها 13،500 غلاء معيشة، وعلاوة سنوية دينار واحد. وفي عام 1957 كان أجر خلفة البناء (البناء) دينارا واحدا، وأجور عامل الطين 400 فلس، في الوقت الذي كان اغلب الناس لا تملك دارا للسكن وان متوسط الايجار خمسة دنانير للدور في الدوريين وسوق الجديد والفحامة وغيرها من مناطق السكن البغدادية، وكانت بغداد مملوءة بالصرائف قبل ثورة تموز.   وكانت كما يقول الشاعر القاضي ابو محمد عبد الوهاب المالكي البغدادي،

دارا لأهل المال واسعة

وللصعاليك دار الضنك والضيق

اما الأجراء الآخرون من العمال في العهد الملكي فكانت حياتهم حياة من يعمل هذا اليوم ولا يجد عملا في الغد. وبفعل التقادم الزمني تكونت الحدود الواضحة للطبقية في العراق والتي أدت بدورها كتحصيل حاصل إلى سرعة نمو اليسار في العراق ليتوج بولادة الحزب الشيوعي العراقي عام 1934، ليكون المتصدي الأول للاستعمار القديم والمعبر الحقيقي عن مكوناته الطبقية من العمال والفلاحين وصغار المثقفين. وقد ظلت موارد الدولة تحدد من قبل  شركات النفط البريطانية يقابلها إعمار لم يكن ليأخذ بالاعتبار معالجة البطالة المتزايدة بنسبة اكبر بكثير من الزيادة السكانية المقدرة ب 3 بالمئة، وفي ليلة ثورة 14 تموز عام 1958، كان ما مجموعه الاجمالي من الاراضي الزراعية،، كما يذكر حنا بطاطو في كتابه الطبقات الاجتماعية والحركات الثورية من العهد العثماني حتى قيام الجمهورية ص 69، كان ما مجموعه الإجمالي 5،457،354 دوم تملكها 23 عائلة شيعية عربية و14 عائلة سنية عربية و11 عائلة كردية وعائلة واحدة يهودية اي ما يقارب نسبة 80 بالمئة من الاراضي الزراعية بيد هذه القلة القليلة من العائلات مقابل الملايين من الفلاحين الفقراء وعوائلهم، وحاولت الثورة قلب المعادلة عن طريق قانون الإصلاح الزراعي لصالح الفلاحين وفقراء الريف الذي كان عددهم يشكل 70 بالمئة من سكان العراق، لكنها جوبهت بالعداء الاقطاعي المتضامن مع دولة الاستعمار القديم.  ورغم ذلك قامت الثورة بتحسين ظروف الفلاحين والعمال وحددت الحد الأدنى للأجور، ووزعت قطع الأراضي وأنشأت الدور السكنية، وأقامت المصانع لسد حاجة البلد ومعالجة البطالة وأنشأت النقابات والجمعيات الفلاحية من أجل الدفاع عن العمال الفقراء وفلاحي الريف ولأول مرة رابطة للمرأة العراقية تدافع عن حقها في الحياة والعمل. ولها الكثير من الإنجازات الخاصة بمعالجة الفقر. غير أن مؤامرة الاقطاع والبرجوازية العسكرية وتدخل مصر الناصرية كانوا وراء انقلاب البعث في الثامن من شباط الاسود عام 1963 على الثورة ومنجزاتها، وكانت فترة حكم البعث الأول فترة مليئة بالصراعات الحزبية لعدم توفر قاعدة فكرية او منهج سياسي لحزب اعتمد أساليب القوة والتهديد في تحقيق أهدافه. لكنه ما لبث ان سقط على يد المشير عبد السلام عارف صبيحة الثامن عشر من تشرين الثاني عام 1963، ليبدأ عند هذا اليوم حكم القوميين العرب المتأثرين بأفكار عبد الناصر الإصلاحية، فأصدر المشير عارف في تموز عام 1964 قرارات تأميم الشركات والبنوك وشركات التأمين الأهلية وغيرها من المصالح الإنتاجية التي حولت إلى ملكية الدولة لتنضم إلى المصالح الحكومية الاخرى مشكلة بذلك نواة القطاع العام الإنتاجي على وفق ما اطلق عليه بالاشتراكية العربية بعيدا عن المحتوى الحقيقي للاشتراكية العلمية. وصارت الدولة مالكة للإنتاج بدلا من الرأسمالي، وصارت فلسفة الحكم تقوم على الربح دون اعادة النظر في الأجور او المساعدات للطبقات الفقيرة. وفي فترة حكم البعث الثاني توسع القطاع العام ليشمل المئات من الشركات الحكومية ولكن لم تتقلص فجوة الفقر، إذ ظل العامل الحكومي والموظف الحكومي يعملان بأجر الكفاف، دون ان تنال الطبقات الاجتماعية الكادحة نصيبا من أرباح الشركات، بل وبسبب حروب صدام صارت عوائد الشركات تحرق في أتون هذه الحروب. وأخذ الضنك يزداد يوما بعد يوم حتى أصبح راتب الطبيب الأخصائي مثلا ثلاثة آلاف دينار اي ما يعادل 100 دولار حسب سعر السوق آنذاك، وان الرواتب في القطاع العام والمختلط كانت لا تكفي لسد الرمق. وتناقل الناس رغم ظلم الديكتاتورية اخبار الفقر، وخاصة بين الموظفين فدعاهم رئيس النظام في خطاب له، دعا الموظف الحكومي للعمل في حمل طاسة الطين بعد الدوام الرسمي (العمل في مهنة العمالة). وهكذا ظل الفقر سيد الموقف حتى الاحتلال عام 2003، حيث انتقل الفقر بالوراثة جراء ظلم قادة العهد الجديد ولكن بدرجة أعلى ودون خوف او وجل ليتحول المال العام بفعل القوانين او بعامل السرقة او التزوير إلى جيوب اقلية تمردت على واقعها وتنكرت لأهلها لتتحول ببن ليلة وضحاها إلى رأسمالية جراء سرقة المال العام لتحوله إلى أرصدة في شتى دول العالم. ولو قدر لها ان توظف هذه الاموال في الداخل لكانت سببا مسكوتا عليه لتقليل نسب الفقر، ولكنها ضاعفت باختلاس أموال الدولة التي كان لها ان تجد فرص عمل وفي النهاية ارسلتها لتستفيد منه دول اخرى، حتى وصلت نسبة الفقر في العراق الى 31،7 في المائة حسب ما اعلنه وزير التخطيط في 8 تموز عام  2020 وعزا ذلك إلى جائحة كورونا، وهو تبرير لا يمت إلى الحقيقة بصلة اذ ان عملية إفقار العراق واضحة دون لبس ولأسباب يعرفها الجميع وان النسبة المعلن عنها اقل بكثير وخاصة في الريف جراء شحة المياه وقلة المحصول واستفحال البطالة المؤدية إلى الفقر. هذا وقد ازدادت مناسيب الفقر بمعدلات أعلى مما هو معلن عنه بعد أقدام حكومة الكاظمي على تخفيض سعر العملة الوطنية إلى الربع، مما دفع بأسعار المواد الأساسية والأدوية الإيجارات للارتفاع بنسب متفاوتة قد تصل إلى 35 بالمئة.

أن للفقر في العراق قصته الطويلة طوال القرن الاخير، والتي لم تلق الأذن الصاغية او العين الناظرة، ولأسباب يتصدرها قلة الوطنية وضعف النفوس، حتى صار لدى العراقيين اعتقاد راسخ من ان الحكومات المتتالية منذ التأسيس عام 1921 تتعمد افقار المواطن كي تلهيه وتبعده عن الانتباه إلى الفساد الذي ينهش ضمائر المتنفذين وخراب ذممهم.