بعد مرور ثلاثة أيام على إغلاق صناديق الإقتراع، أُعلن عن انتهاء الإنتخابات التشريعية والبلدية في السويد بفوز كتلة اليمين واليمين الشعبوي المتطرف بـ 49.1 في المائة مقابل 48.4 في المائة لكتلة اليسار ويسار الوسط.

وجاء تأخر إعلان النتائج على غير العادة، بسبب الحاجة لفرز أصوات الناخبين بالبريد والمصوّتين خارج مدنهم، والتي تطلبها تعادل الطرفين التقريبي في عدد الأصوات. ولم تمض سوى سويعات حتى أقرّت رئيسة الوزراء ماجدلينا أندرسون بهزيمة كتلتها، وقدمت إستقالتها، ليعلن أولف كريسترشون، زعيم حزب المحافظين، عن إستعداده لتشكيل الحكومة من ثلاثة أو أربعة أحزاب برجوازية، وهو ما سيواجه صعوبات جمة نظرا لحاجته الى الإعتماد على حزبي الليبراليين والديمقراطيين السويديين، المختلفين في الأيديولوجيا والبرامج، والرافضين للتعاون معاً في أية حكومة يمينية.

وقد كشفت نتائج الإنتخابات التي شارك فيها 84 في المائة من الناخبين، عن تقدم أحزاب الديمقراطي الاجتماعي والبيئة وديمقراطيّو السويد في عدد المصوتين، مقابل تراجع بقية الأحزاب: اليسار والمحافظين والليبراليين والوسط والديمقراطي المسيحي.

صعود اليمين المتطرف

ويعّد التقدم الكبير الذي حققه حزب ديمقراطيي السويد، من أكثر النتائج إثارة للجدل والقلق، حيث تمّكن هذا الحزب اليميني المتطرف ذو الجذور النازية، من  زيادة عدد ناخبيه من 5.7 في المائة عام 2010 الى 20.5 في المائة هذا العام، أي بنسبة 300 في المائة خلال عقد ونيف من الزمان. فيما غيرت أحزاب اليمين التقليدي (المحافظون والديمقراطي المسيحي) موقفها الرافض للتعامل مع هذا الحزب بسبب برامجه وأيديولوجيته العنصرية، وأعربت ـ بإنتهازية واضحة ـ عن موافقتها على التعاون معه في تشكيل الحكومة. ورغم أن صعود اليمين المتطرف ذي الجذور النازية لا يقتصر على السويد، وانما يشمل دولاً أوربية عديدة جراء الأزمات الاقتصادية المتكررة في هذه البلدان ومأزق أنظمتها الديمقراطية وتخلف وتقادم أحزابها السياسية، فإن هذا الصعود يترك الكثير من الشك في صدقية القيم الإنسانية التي طالما إتسمت بها التجربة السويدية، ويمثل مؤشراً خطيراً على مستقبل النظام الأوربي، مثلما توقعت مجلة «دير شبيغل» الألمانية. لاسيما وأن هذا الحزب الشعبوي جذب 56 في المائة من العمال و50 في المائة من أصحاب الشركات الصغيرة، ممن إعتادوا التصويت ليسار الوسط أو للمحافظين. 

إنتخابات مفصلية

ويرى الصحفي اليساري أندرس كارلسون أن هذه الإنتخابات هي الأهم منذ 1976، لأن إنتصار تحالف اليمين واليمين المتطرف سيغرق البلاد في مستنقع الليبرالية الجديدة، حيث الشعبوية اليمينية المعادية للمهاجرين ولمشاريع حماية البيئة وتخفيف آثار التغيير المناخي من جهة، وحيث جملة البرامج المعادية لمكتسبات الرفاه الاجتماعي من جهة مكملة.

ويستند كارلسون والكثير غيره من المراقبين على أن وعود اليمين الإنتخابية، وإن سعى لحجب حقيقتها بما أضافه لها من مكياج كثيف، تستهدف بالأساس مكتسبات الشغيلة ومن هم في أسفل السلم الاجتماعي، لأنها ستعمل على تقليل تعويضات البطالة في القيمة والمدة، وعلى تقليص تعويضات المرض وإصابات العمل، وتشديد شروط الحصول عليها. كما سيعمل اليمين على إرضاء اليمين المتطرف عبر تبني برامجه الهادفة لإنهاء الهجرة وإلغاء حق المهاجرين في جمع شملهم بعوائلهم، وتسفير العائلة المهاجرة فوراً إذا ما إرتكب أحد أفرادها جرما ما، وحجب أية مساعدات مالية عنهم، وإلغاء تدريس لغتهم الأم في المدارس وإجبارهم على تبني ما يسمى الثقافة السويدية في الحياة.

كما يَعِد اليمين وحلفاؤه بإعادة بناء المفاعلات النووية والغاء القيود على ما يلوث البيئة، وتشديد العقوبات على الجرائم ومنح الشرطة الحق في التنصّت على الجميع، بمن فيهم غير المشتبه بهم، وتفتيش البيوت والمحلات بدون إذن قضائي. وهذه بمجموعها إجراءات منافية لشرعة حقوق الإنسان والقانون الدولي.

ابراهي

يشير المراقبون الى أن أبرز عوامل ضعف اليسار ويسار الوسط، تكمن في التغييرات المفاجئة في المواقف وتبني اطروحات يمينية وغياب الحوار الداخلي كلياً أو جزئياً. فعلى الرغم من رفض الشعب السويدي في إستفتاء شعبي الإنضمام للناتو، قدم الحزب الديمقراطي االاجتماعي الحاكم طلباً بذلك الى بروكسل، وخضع لإشتراطات أردوغان المذلّة المتعلقة بإنهاء التضامن مع القضية الكردية، مقابل إمتناع تركيا عن التصويت ضد إنضمام السويد الى الناتو.

كما كان لتبني حكومة يسار الوسط المدعومة من حزبي اليسار والبيئة، للكثير من الإجراءات التي تخدم الشركات الكبيرة والمتوسطة ورجال الأعمال والرأسماليين الكبار، بذريعة منع هروب الإستثمارات وإغراء أصحابها للعمل في البلاد، أثراً سلبياً على شعبية الحزبين، وأضعف صدقيتهما في الدفاع عن برامجهم في الحملات الدعائية والمناظرات المختلفة. الأمر الذي دفع الناخبين للتصويت مباشرة الى اليمين، الأصحاب الأصليين لهذه الإجراءات، بدل التصويت الى يسار الوسط الذي تبنى تلك الإجراءات المخالفة لتوجهاته الفكرية ولمصالح قاعدته الاجتماعية.

من جهته كان دعم حزب اليسار للحكومة السويدية المستقيلة في تزويد أوكرانيا بالسلاح والمال، سابقة غير مألوفة أو مفهومة لناخبيه، خصوصا حين إقترنت مع عدم إعتبار الحرب عدوانية من الطرفين، وحين لم تتم إدانة الدمى الأمريكية الحاكمة في كييف. فيما لعبت الخلافات الداخلية وضعف التجربة السياسية لزعيمة الحزب، التي تجلت في عدم قدرتها على المحاججة وإقناع الجمهور، كذلك الحملات الاعلامية ذات الطابع العدواني الشرس التي واجهها الحزب في عمله الإنتخابي، دوراً إضافياً في فقدان الحزب لعشرات الآلاف من الأصوات. وفيما أطاحت الإنتخابات بزعيمة حزب الوسط ، الليبرالية المناهضة لليمين المتطرف، سرت شائعات بأن مستقبل زعيمة حزب اليسار هو الآخر غير واضح تماماً.

بقي أن نشير الى أن حزباً صغيراً يدعى أطياف، أسسه مهاجرون مسلمون ورفع شعارات شعبوية هو الآخر، جذب عدداً لا يستهان به من ناخبي اليسار ويسار الوسط، رغم إنه لم يستطع تجاوز العتبة الإنتخابية والحصول على أي مقعد في أية بلدية سويدية.

عرض مقالات: