تعد ظاهرة تسوّل الأطفال ظاهرة غير حضارية، تشوه صورة المجتمع، وصورة المدن الحضارية، وان انتشارها في مناطق معينة هو للحصول على الأموال والهبات، وهذه الحالة لم تكن منتشرة بهذه الكثرة سابقا، لكنها تفشت بعد الانتعاش الاقتصادي الذي حصل في العراق بعد ٢٠٠٣م. إن ظاهرة التسول تكون نتيجة عوامل تتعلق بجميع مديات السلطة وسيطرتها على مقدرات الانسان، لكن هذه الظاهرة غير حضارية وتؤثر سلباً في المجتمع، الغرض منها توفير مزيد من الموارد المالية، باستعمال أساليب ملتوية وغير أخلاقية في بعض الأحيان. (١)

التعريف بتسول الأطفال

تسول الأطفال هو طلب الطعام أو المال أو المبيت في الشوارع، وبيوت الناس؛ لغرض كسب عطفهم وكرمهم أحيانا، أو اصطناع الأطفال أدوار تمثيلية، مثل لبس الملابس الرثة فضلا عن اصطناع الإصابة بعاهات أو بسوء حال، ويكون تسول الأطفال عن طريق عرض الخدمات للناس، وخدمتهم بطرق مختلفة مثل: حمل اكياس المارة، وبيع بعض الأمور البسيطة مثل بيع المناديل الورقية وغيرها، ومسح زجاج السيارات وغيرها، والتسول هو: مجموعة القواعد التي تحكم سلوك الأفراد في الجماعة، والتي يتعين عليهم الخضوع لها بالقوة إذا لزم الأمر. (٢)

مشكلة هذه الظاهرة

  تتعلق مشكلة هذه الظاهرة  في مجملها بتركة الحكومات الجائرة، في العراق وما سببته من  فساد مالي داخل مؤسسات الدولة عامة، فضلا عن طبيعة التحول نحو الديمقراطية المزعومة  المرتبطة  بالمحاصصة،  ووجود الإرهاب وما يشكله من كثرة الأرامل والأيتام، وعدم الاستقرار في العراق، وكثرة العوائل المهجرة بسبب الوضع الأمني، وكثرة الطلاق وحالة الأطفال المتسربين من العوائل ؛ بسبب الضعف الأسري، ومن المدارس بسبب القصور التربوي، كما أن تعقيدات وضع العراق الاقتصادية والمالية ساعدت  في  انتشار هذه الظاهرة، خلال المرحلة الراهنة مع توزع صورها وأشكالها تبعا لشكل الظاهرة، وغرض المتسولين استدراج عطف  الآخرين وكرمهم.(٣)   

يعد تسول الأطفال بالعراق من الظواهر الخطيرة، والتي لها انعكاسات وأبعاد في تنشئة الأطفال، وبعد عام ٢٠٠٣ ازدادت بشكل ملفت للنظر في المزارات والشوارع والطرقات، ولهم أساليب مختلفة فقسم يقف في أبواب المساجد والكنائس، وقسم في المزارات، وقسم في الطرقات المزدحمة، وقسم في تقاطعات الشوارع، وقسم بالمقابر، وأشهر أساليبهم التصنع بالفقر والعاهات، وبالأمراض غير الصحيحة، عبر الحيلة والخداع والتمويه والاصطناع، مع استعمال وسائل الاستعطاف وإثارة عطف الناس وشفقتهم. (٤)

وعلى الرغم من تفشي هذه الظاهرة في صفوف الأطفال، الا أن وزارة العمل والشؤون الاجتماعية بالعراق ليس لديها إحصائية،  وبيانات شاملة مدروسة في هذا المجال، وسبب ذلك أن الأطفال المتسولين في حركة مستمرة وتنقل دائم لذا يصعب إجراء التعداد لهم، وكون أغلبهم يهربون من عمليات الاحصاء، وترتبط هذه الظاهرة في العموم بالتفكك الأسري الذي يعرضهم للعنف الجسدي والجنسي، والتشريد والبطالة والفقر، علما أن الدستور العراقي يمنع عمالة  الأطفال وتسولهم، وغالبا ما يتم القاء القبض عليهم وأخذ تعهدات منهم بعدم التسول، لكن مع هذا تجد مجاميع من المتسولين  لا يفترقون عن بعضهم في أماكن يحددها رئيس المجموعة التي يترأس هؤلاء،  ومن يتنقل إلى مكان آخر مصيره الطرد، فضلا عن التهديد بالقتل.(٥)

وتتنوع فئات الأطفال المتسولين إلى أقسام، فمنهم الأطفال المتسولون بالفطرة: وهذه الحالة يكتسبونها من الأسرة أو من الأقارب والأصدقاء. المتسولون  للحاجة: بسبب الفقر والعوز أو لغرض الحصول على عمل، وهم يمتهنون التسول بسبب الحاجة وهذه الحالة في توسع مستمر،  بسبب الأوضاع القلقة بالعراق، ومنها تسوّل الأطفال المستغَلين: وهم أطفال الشوارع المشتركون والذين يستغلون من أصحاب النزعات غير الإنسانية، بمقابل توفير سكن غير آمن لهم مع توفير الأطعمة،  وهؤلاء الأطفال يكونون في أسوأ حال، لما يلاقوه من إيذاء واستغلال وتعذيب وطاعة عمياء، أما الصنف الرابع فهم ذوو الاحتياجات الخاصة والأطفال المرضى الذين يعانون من عاهات وإعاقات جسدية، والمهمشون اجتماعياً ، وهذا التسول يكون مصاحبا بالجنوح و الإجرام إذ  تكون إلى جانب التسول السرقة، فستار التسول يسهّل مهنة السرقة.(٦)

أما الفئات التي تمتهن التسول فهم: جنسيات أجنبية تسكن العراق مثل: (الإيرانيون، والباكستانيون، والسوريون، واللبنانيون وغيرهم، والنازحون من المحافظات المختلفة، بسبب الإرهاب وانعدام الأمن، والفقراء من سكان المناطق العشوائية وهؤلاء برزوا بعد عام ٢٠٠٣.

يلاحظ أن أكثر الدول العربية ومنها العراق، لم يلتزم بالمعاهدات والاتفاقيات الخاصة بحقوق الأطفال، مثل: (حق التعليم، وحق حماية الطفل، وحق توفير البيئة الملائمة للطفل، وحق الإيواء للمشردين وغيرها، ولا يُهتم بقانون وقاية الأطفال من: (الاستغلال، والقسوة والاعتداء الجسمي والجنسي، ومنع الاتجار بالأطفال، وغيرها). إن عدم الاهتمام بالأطفال، ومنعهم من التسول أدّى إلى نتائج كارثية، منها انتشار ظاهرة استغلال الأطفال والأطفال الرضع والمعوقين، وزاد من الاعتداءات الجنسية، والاستغلال الجسدي والفكري الذي ادّى إلى استغلال الأطفال الذين يتجاوزون سن العاشرة في العمليات الإرهابية. إن العراق اليوم مطالب بتطبيق قوانين صارمة تمنع التسول واستغلال الأطفال، وفرض غرامات مالية كبيرة على العوائل التي تدفع أبناءها على التسول، أو حجز المتسولين في دور الأيتام،  وأن القضاء على هذه الظاهرة يأتي عن طريق توفير التعليم، وفرص العمل،  والتثقيف وغيرها، لقد تزامنت ظاهرة التسول بالعراق بعد ٢٠٠٣م بظواهر كارثية لها أضرار مستقبلية منها: (المتاجرة بالأطفال،  وبالأعضاء، وتجارة الجسد، وانتشار الجريمة والمخدرات، والدعارة) ، وان الحل الأمثل للقضاء على هذه الظاهرة الردع القانوني، وتوفير البيئة الصالحة المتكاملة للأطفال،  وتطبيق قانون العقوبات العراقي رقم١١١ لسنة ١٩٦٩م و تعديلاته الذي يعاقب كل من يتخذ من التسول؛ لكسب المال  أو من يغري الأطفال على التسول.(٧)

العلاج الأكبر الناجع والأهم لهذه الظاهرة هو القانون، لأنه المنظم للحياة الاجتماعية، وهو الدرع الآمن لكل مجتمع وإن سيادة القانون تمنح المجتمع فرصة الأمان والاستقرار، وان غياب القانون يهدم البناء الاجتماعي، وأن وجود المتسولين على الرغم من المجهودات التي تقوم بها الدولة العراقية يؤدي إلى تشويه المناظر الحضارية التاريخية للمدينة وإسقاط ألقها وزهوها العتيد، وأخيرا الوقاية خير من العلاج.

التوصيات:

١- ضرورة إصدار تشريعات تخص حماية الأطفال من هذه الظاهرة.

٢- ضرورة توفير المرشدين والأطباء النفسانيين لعلاج هذه الظاهرة وتفعيل الجهاز المركزي للإحصاء لإعداد البيانات وغيرها.

٣- مراقبة الأطفال وطلاب المدارس من قبل الجهات ذات العلاقة.

٤- انشاء مراكز اجتماعية لتأهيل الأطفال من قبل وزارة العمل والشؤون الاجتماعية والجهات الساندة لها لتأهيل الأطفال تربويا ومهنيا ونفسيا.

المصادر:

١- أثر التسول بانحراف الأطفال، باسم عبود الدباغ، مجلة بيت الحكمة، العدد٢٦، السنة٢٠١١، ص٤٤.

٢- المدخل للعلوم القانونية موجز النظرية العامة للقانون والنظرية العامة للحق، توفيق حسن فرج، مؤسسة الثقافة الجامعية، مصر الاسكندرية، ١٩٩٩، ص١٧.

٣- ظاهرة تسول الأطفال، ريم عبد الوهاب اسماعيل، مجلة دراسات موصلية العدد٢٤، الموصل، ٢٠١٣، ص١٨٢.

٤- ظاهرة التسول، فاروق محمد العادلي، مركز البحوث والدراسات الاجتماعية، جامعة القاهرة، ٢٠١٦، ص١٤.

٥- ظاهرة تسول الأطفال، مجلة دراسات موصلية، العدد ٤٢، السنة٢٠١٣م، ص١٨٢.

٦- ظاهرة الانحراف بين التبرير والمواجهة، طلعت مصطفى السروجي، دار الثقافة والنشر والتوزيع، القاهرة، ١٩٩٢ص١١٤.

٧- قانون العقوبات العراقي لسنة ١٩٦٩م وتعديلاته وما أصابها من قرارات سلطة الائتلاف المؤقتة، القاضي نبيل عبد الرحمن حياوي، وزارة العدل، بغداد، ٢٠٠٦، ص١٣٨.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* مدير عام تربية محافظة ديالى السابق.