كثيرا ما يتداول مدونون على مواقع التواصل الاجتماعي في العراق، فيديوهات تكشف عن تعرّض تلاميذ في المدارس للعنف على أيدي معلميهم. إذ يلجأ هؤلاء إلى ضرب الصغار بالعصا أو صفعهم على وجوههم، وغير ذلك من الأساليب.

ويظهر بعض الفيديوهات أولياء أمور يشكون من تعرّض أبنائهم للعنف اللفظي والبدني داخل مدارسهم، لأسباب منها عدم إنجازهم واجباتهم المدرسية، أو اقترافهم سلوكا سلبيا.

وعلى الرغم من إصدار وزارة التربية في مناسبات عدة تحذيرات للكوادر التعليمية من اتباع العنف الجسدي أو اللفظي كوسيلة لتأديب التلاميذ، إلا أن العنف لا يزال يتكرر في الكثير من مدارس البلاد، لا سيما في بغداد.

غير مبرر

تنقل وكالة أنباء “العربي الجديد” عن مسؤول في وزارة التربية قوله أن “الوزارة فرضت عقوبات مشددة بحق المعلمين الذين يستخدمون العنف ضد التلاميذ، منها إيقافهم عن عملهم، وحتى فصل مديري المدارس، وذلك في حال قدم أولياء الأمور شكوى إلى وزارة التربية أو الشرطة”، مشيرا إلى أن “الأسلوب العنفي يُستخدم في مدارس الفتيات والذكور على السواء، ويُسجل في المرحلة الثانوية أكثر منه في الابتدائية، في محاولة لضبط سلوك المراهقين. علماً أن ذلك غير مبرر”.  ويلفت المسؤول الذي لم تكشف وكالة الأنباء عن اسمه إلى أنه “تم تسجيل اعتداءات يقوم بها تلاميذ وأولياء أمور ضد معلمين في حال نشوب خلافات قد تخرج عن السيطرة. وقد تكون معدلات التلميذ الدراسية المتدنية سبباً للاعتداء على المعلم”، مشددا على “أهمية منع العنف أو الحد منه من خلال فرض عقوبات مشددة على المعلم الذي يهين التلاميذ أمام زملائهم أو يستخدم ألفاظا جارحة أو عنصرية أو طائفية بحقهم”.

غياب الدور الرقابي 

من جانبه، يقول مدير “مدرسة الأرض الطيبة” في بغداد، أحمد عبيد، أن “ظاهرة تعنيف الأطفال انتشرت بشكل كبير في الكثير من مدارسنا. وذلك بسبب غياب الدور الرقابي من قبل الأهل، الذين لا يقدمون شكوى إلى المدرسة في حال حصول مثل هذه الحوادث، الأمر الذي يفسح المجال أمام بعض المعلمين لتعنيف التلاميذ”، مبينا في حديث صحفي أن “وزارة التربية حاسبت أعدادا كبيرة من المعلمين بسبب تعنيفهم تلاميذ”.

ويوضح أن “الأسلوب العقابي الإيجابي يتمثل في حرمان التلميذ من الفسحة أو الرحلات المدرسية، أو تكليفه بمهام دراسية إضافية في حال عدم قيامه بواجبه البيتي، أو استدعاء أهله، وصولاً إلى فصله من المدرسة ليومين أو ثلاثة. أما السلبي، فيشمل العنف اللفظي والجسدي، وهذا مرفوض تماماً، لكونه يؤدي إلى تعرض التلميذ لمشكلات نفسية، ويخلق فجوة كبيرة بينه وبين معلمه، ويقدم صورة سيئة عن المدرسة”.

ويشدد عبيد على “أهمية استخدام أساليب تعليمية حديثة بدلاً من اللجوء إلى العنف، وذلك في سبيل إشاعة أجواء تعليمية إيجابية تُساهم في نهوض الواقع التربوي في البلاد”.

العنف يدفع إلى ترك الدراسة

المشرفة التربوية خديجة العاني، تعرب عن أسفها لتكرار العنف في المدارس، رغم معاقبة وزارة التربية العديد من المعلمين المعنِفين، مبينة في حديث صحفي أن “العنف يؤثر في قدرات التلاميذ الإبداعية وطموحهم، كما يحبطهم ويشعرهم بالعزلة، وقد يدفع البعض منهم إلى ترك الدراسة”.

وتشير إلى أن “التعنيف قد يؤدي أيضا إلى إصابة التلميذ باضطرابات نفسية، وتراجع تحصيله الدراسي وإعاقة عملية اندماجه بالمجتمع”.

التلاميذ قلقون من معلميهم

وفي السياق، يقول المواطن علي العبيدي، أن “التلاميذ في المرحلة الابتدائية يشعرون بالخوف والقلق من المعلم، على اعتبار أن المدرسة تُعد تجربة جديدة بالنسبة لهم. لذلك، أن التعنيف يخلق فجوة كبيرة بين المعلم والتلميذ، ويولّد حالة من الكره تجاه المعلم والمواد الدراسية”.

ويذكر في حديث صحفي، أن ابنه البالغ من العمر 10 سنوات تعرّض للضرب بالعصا على يده من قبل أحد المعلمين. كذلك تعرض زملاؤه لإهانات لفظية، الأمر الذي أثّر في نفسيته إلى درجة كبيرة، مبينا أن هذه الحالة ولدت لدى ابنه مشكلات نفسية، وصار يرفض الذهاب إلى المدرسة. فما كان منه إلا أن عرضه على طبيب نفسي.

ويطالب العبيدي الكوادر التدريسية، لا سيما معلمو المراحل الابتدائية، بألّا يعكسوا مشكلاتهم الشخصية على التلاميذ، وأن يتحلوا بالإنسانية والصبر خلال تعاملهم مع الأطفال.

إلى ذلك، يقول أستاذ علم الاجتماع يوسف الجنابي، أن “العنف البدني واللفظي الذي يتكرر في المدارس ليس له مبرر”، مبينا في حديث صحفي أن “للعنف أثرا سلبيا على التحصيل الدراسي للتلاميذ. فبعد تعرّض التلميذ لتعنيف قوي، تجده لا يرغب في الذهاب إلى المدرسة، لأن حادثة الاعتداء تكون راسخة في ذهنه”.

ويوضح أن “بعض المعلمين ما زالوا يعتقدون أن الضرب أو العقاب هو الوسيلة الأفضل للتعليم، أو استخدام عبارات غير مشجعة من قبيل (أنت إنسان فاشل)”، مبيناً أن “هذا الاعتقاد خاطئ، وعلى إدارات المدارس منع استخدام هذه الأساليب، والعمل على تطوير مهارات المعلمين وحثهم على اتباع أساليب تقوي ثقة التلميذ بهم، وترفع من مستواه العلمي”.