يتحدث خبراء في الاقتصاد عن عجز العراق وعدم تمكنه من معادلة الميزان التجاري مع الدول التي يتعامل معها، أو على أقل تقدير تحقيق الحد المعقول بالنسبة لأي دولة تريد الأفضل لنظامها وشعبها.

ويؤكد الخبراء أن استسلام الاقتصاد العراقي للاستيراد، وجعل واردات النفط هي الرئيسة مقابل اهمال عشرات القطاعات الإنتاجية، هو انعكاس واضح لطبيعة وشكل للمنظومة السياسية التي ترسخ الاقتصاد الريعي ولا تتنازل عنها برغم مرور حوالي 20 عاما، كونها توفر المناخ الآمن لاستمرار فسادها ونهبنا للمال العام.

اقتصاد بلا صادرات

يقول الخبير الاقتصادي جليل اللامي، أن الميزان التجاري “يعتبر من المؤشرات الهامة وهو أحد مدخلات الناتج المحلي للدول. تكمن قيمته في تحليل مكوناته وليس في قيمته المطلقة، لهذا لا بد من معرفة مفردات ومكونات وهيكل الميزان التجاري أي نسبة المواد الأولية أو المواد نصف المصنعة أو المصنعة إلى إجمالي المستوردات أو الصادرات”.

وخلال حديثه لـ”طريق الشعب”، يرى اللامي أن الاقتصاد العراقي يعتمد على الواردات بشكل أساسي “وفسح المجال أمام الدول المصدرة للتنافس على سوقنا المحلية الذي يعتبر من اكبر الأسواق الاستهلاكية. ومن مظاهر ذلك التنافس فتح معابر حدودية جديدة وزيادة حجم التبادلات التجارية وتعزيز الروابط البرية والجوية”. ويضيف قائلا: “يعتبر التبادل التجاري بين العراق والصين هو الأكبر بحوالي أربعين مليار دولار أميركي، تبلغ فيه صادرات العراق بحوالي 60 في المائة، إلا أنها صادرات نفطية، بينما صادرات الصين سلعية وهنا يكمن الفرق”.

أما الميزان التجاري مع تركيا، فيقول الخبير أنه يبلغ “حوالي 16 مليار دولار، ومع إيران بحدود 12 مليار دولار، وبما أن بلدنا مهمل للقطاعات الاقتصادية الإنتاجية، فهذا يعني غياب الإنتاج المحلي وانعدام التصدير. كل هذا هو استنزاف للاقتصاد الذي أصبح عاجزا عن إنتاج ابسط الأشياء ويستورد سنويا بما لا يقل عن مائة مليار دولار مقابل صادرات غير نفطية خجولة لا تتجاوز اثنين مليار دولار”، مردفا أن “كل هذه الأمور انعكست على ميزان التجارة الخارجية، ما جعل الميزان التجاري سلبيا، وازدادت كفة الاستيراد على الصادرات، ما أوضح الخلل البنيوي الكبير في سياسة الدولة”. 

ويدعو الخبير، الدولة إلى أن “تنهض بمسؤوليتها في حماية المستهلك من الأضرار المادية والصحية الناجمة عن استخدام السلع والمنتجات غير المستوفية لشروط الاستهلاك ومن اجل ضمان مصالح وحقوق المنتجين العراقيين. وتنظيم الأسواق التجارية وضبط ومراقبة تدفق السلع من السوق المحلية وإليها، وتنسيق عمل مختلف الأجهزة الحكومية لضمان سلامة المنتجات المستوردة ولتشديد الرقابة على المنافذ الحدودية من خلال فحص المنتجات المستوردة، وتنشيط دور التفتيش والسيطرة النوعية وتطبيق الشروط الصحية وشروط السلامة العامة”.

حال مؤسف جدا

أما الخبير الاقتصادي رشيد السعدي، فيرى أن حال العراق مؤسف في ما يتعلق بكفة الميزان التجاري.

ولكي يكون قادرا على التصدير، يقول السعدي انه يجب أن يمتلك منتجا يغطي 40 في المائة لتكون القيمة المضافة فيه ذات جدوى اقتصادية للتصدير.

ويضيف السعدي لـ”طريق الشعب”، أن كفة العراق “خفت لصالح استيراد كل شيء تقريبا. فلا تصدير سوى لبعض التمور وأنواع من الشعير والمعادن والمواد، وهي لا تشكّل سوى 4 في المائة من الموازنة، بينما 96 في المائة تغذيها الصادرات النفطية”.

ويلفت المتحدث إلى أن “القوى الحاكمة تجاهلت ضرورة تنويع مصادر الدخل عبر قطاعات غنية جدا وواعدة مثل: الخدمات، التربية، الزراعة، الصناعة، السياحة وغيرها من القطاعات المنتجة. كذلك فشلت في إدارة موارد البلاد بطريقة صحيحة، وبدل أن نتحدث عن الضغط على تركيا وإيران بخصوص الاستيراد ومساومتها بملف المياه مثلا، كان علينا الانتاج والاعتماد على أنفسنا والدخول إلى الأسواق بقوة. قلنا ذلك كثيرا وطلبنا من الحكومات المتعاقبة استخدام ورقة اقتصادية ناضجة ووطنية وتعرف كيفية التعامل مع دول الجوار، لكن لا من مجيب”.

وعلى سبيل المثال، فإن “الصادرات السعودية تعادل حوالي 40 في المائة من قيمة الموازنة العامة، بينما العراق تبلغ صادراته 4 في المائة، وهذا يوضح الفرق بين بلدنا والدول المحيطة به. وفي الإدارة الحالية لا يمكن أبدا تحقيق ما هو أفضل من ذلك، فبعد إطلاعنا على البرنامج الحكومي والخطوات الأخيرة لرئيس الوزراء، نرجح أن النتائج التي ستظهر لاحقا قد تكون مخيبة للآمال”.