“كلها عطّالَة بَطّالَة”.. جملة يرددها معظم الأطفال المنقطعين عن الدراسة في العراق، والتي يبدو أن بعض أولياء الأمور هم من يغرس هذا المفهوم في عقول أطفالهم ويشجعونهم على ترك الدراسة، على اعتبار أن حتى حامل الشهادة الجامعية لن يتمكن من الحصول على وظيفة أو فرصة عمل تناسب تخصصه.

فيما يضطر بعض الآباء إلى إخراج أبنائهم من المدارس، بسبب صعوبة تأمين مصاريف دراستهم، وهذا ما يؤكده محمد صلاح في حديث صحفي.

يقول صلاح، أنه مسؤول عن عائلة مؤلفة من 6 أفراد، تعيش في شقة صغيرة مستأجرة في منطقة الفضل، مشيرا إلى أنه يواجه صعوبة في توفير لقمة العيش لعائلته “فما بالك بمصاريف الدراسة؟!”.

أكثر من 3 ملايين طفل خارج المدارس

بلغ عدد الطلبة الكلي الملتحقين بالصفوف الدراسية هذا العام، أكثر من 12 مليون طالب، في حين بلغ عدد تلاميذ الصف الأول الابتدائي أكثر من مليون و200 ألف تلميذ – حسب وزارة التربية.

وتقابل هذه الأعداد الملتحقة بالمدارس، أعداد ليست قليلة للذين انقطعوا عن الدراسة تماما. فبحسب تقرير أصدرته منظمة اليونيسيف نهاية العام الماضي، فإن 3.2 ملايين طفل عراقي في سن الدراسة، خارج المدارس.

لقمة العيش أهمّ

وبالعودة إلى صلاح، فإن عمله في مقهى لا يوفر له أجرا مناسبا. إذ يعطيه صاحب المقهى 12 ألف دينار في اليوم، وهذه غير كافية لتأمين قوت العائلة ومبلغ الإيجار، فكيف سيتمكن من تأمين مصاريف الدراسة لابنه وبنته في ظل عدم توفير الحكومة أبسط حقوق التلاميذ من قرطاسية ومناهج؟!

حالة صلاح ليست نادرة، فهناك عائلات كثيرة لا ترسل أطفالها إلى المدارس، بسبب الوضع الاقتصادي السيئ، وهذا ما تؤكده تقارير شبه حكومية من حيث إن أبرز أسباب تسرب وانقطاع الطلبة عن المدارس، اقتصادية واجتماعية.  وتتضح الظروف الاقتصادية الصعبة أكثر من خلال نسبة مَن هم تحت خط الفقر، والذين وصلت أعدادهم إلى 9 ملايين مواطن – حسب إحصائية أصدرتها وزارة العمل والشؤون الاجتماعية في آب الماضي.

العائلة تشجع على التسرب

“كلنا عاطل عن العمل.. لماذا ندرس طالما اننا لن نحصل على وظيفة؟!”.. هذا ما يقوله عامر مؤيد (14 عاما)، الذي ترك دراسته يائسا من الحصول على وظيفة حكومية مستقبلا، بعد أن رأى أو سمع عن جيوش من الخريجين عاطلة عن العمل.

مؤيد الذي يسكن في جانب الرصافة، يقدم هذا المبرر لترك الدراسة (كلنا عاطل عن العمل) بكل ثقة وقناعة. ما يبدو أن عائلته هي من غرست فيه مفهوم عدم أهمية إكمال الدراسة، فاقتنع به!

يقول في حديث صحفي: “انا حاليا اعمل واحصل على مبلغ جيد من المال، وهذا أفضل من قضاء 16 عاما من عمري في المدارس، وبعدها أتخرج دون أن أحصل على وظيفة.. لذلك استطيع في هذه السنوات أن أعمل وأجمع مبلغا من المال أعيل به عائلتي وأتزوج وافتح مشروعا تجاريا مستقبلا”!

ولا يجيد مؤيد القراءة والكتابة سوى بشكل بسيط، وهو لا يرى أن هذا الأمر سيكون عائقا أمام مسيرته الحياتية مستقبلا، كونه مقتنعا بأن وجود المدرسين الخصوصيين سيحل المشكلة. إذ يسجل متى ما أراد في دورة دراسية لدى أحد المدرسين، ويتعلم القراءة والكتابة!

وتشير إحصاءات رسمية إلى أن مدارس العراق تشهد تسرّبا جماعيا للتلاميذ في المرحلة الابتدائية، بمعدل 360 تلميذا وتلميذة في اليوم الواحد، وتلك الأرقام بمثابة جرس إنذار من تفشي الأميّة بشكل أكبر في البلاد.

ومطلع هذا العام، دقّت “اليونسكو” ناقوس الخطر في العراق، عندما قالت ان هناك 12 مليون شخص أُمّي في البلاد، وهذا العدد ضعف آخر إحصائية رسمية حكومية صدرت قبل عامين. حينها كان هناك 6 ملايين أُمّي.

ولا يبدو أن ظاهرة الانقطاع عن المدارس ستنتهي في العراق، لأنها متراكمة منذ أكثر من 3 عقود، لكن ما يجب على الحكومة والجهات المعنية فعله، هو الحد قدر المستطاع من ارتفاع هذه النسب، لتجاوز آثارها السلبية على مستقبل البلاد، وهذا لن يتم إذا لم تولِ الحكومة قطاع التعليم اهتماما كبيرا، وتوفر متطلباته كافة، من بنى تحتية ومستلزمات دراسية وكوادر كفوءة، إضافة إلى معالجة مشكلة البطالة وتحسين الوضع الاقتصادي للعائلات.