احتفل العالَمُ خلال شهر مايو (ايار) وفي تواريخَ متباعدةٍ بعيدِ الأمّ.

وكالعادة من كل سنة تجنّدت وسائلُ التواصل الاجتماعي والإذاعاتُ والفضائياتُ لإيصالِ أصواتِ البِرّ والاعتراف بالجميل للأمّ الحنونِ العطوفِ الكادحة المناضلةِ، الأمّ التي تتفانى في خدمة أبنائها وتذيب نفسها شمعةً تضيء عليهم .. فأيّ شكرٍ يكفيها وأيّةُ لغةٍ يمكن أن تعبّرَ عن حبّنا واحترامنا وتقديرنا لذاك الملاك الذي «حملنا تسعةً كرها وأرضعنا حوْلين كرها..»!

عيد الأمِّ فرصةٌ للتذكير بقيمة الأمّ في الديانات والثقافات والحضاراتِ وبدورها الأساسي في بناء أسرةٍ متوازنةٍ تكون سبيلا إلى توازن المجتمع وفرصةٌ تختبر فيها المدارسُ قدرةَ الأطفال على حفظ الأشعار والأناشيد الممجدةِ للأمّ، (وهي طبعا لم تتغيّرْ من عهد نوح).

أسألْ طفلا في المدرسة الابتدائية عما تعني له أمّه، سيجيبك دون تفكير أو تلعثم «هي الحنانُ «. فإذا كبر قليلا وارتقى الى المدرسة الإعدادية سيقرأ عليك بيت احمد شوقي:

الأمّ مدرسةٌ إذا أعددتها  ××× أعددتَ شعبا طيّبَ الأعراق

فإذا ارتقى في سلّم العمرِ سيُجيبك بأنّها رمز الوطن والأرض والخصوبةِ.

 -  ستقولون: أليس جميلا أن نكرّم أمهاتنا و نعترفَ بفضلهنّ؟ أليس الجحودُ عقوقا ونحن قوم مسلمون والإسلامُ قد جعل «الجنّةَ تحت أقدام الأمّهاتِ»؟

- ستقولُ الأمُّ فيَّ «جميل جدا»، لكنّ المرأة التي فيَّ ستقول «ولماذا نخصص لها يوما واحدا وهي التي تعيش بيننا وتقوم علينا الوقت كله ؟ أليس في ذلك اعترافا بأنها مهمشة،  فنرد اليها الاعتبار يوما في السنة، تماما كالكتاب والطفل والمسنّ والمرأة؟ ثمّ أليس في هذا الاحتفاء تذكير بأن دور المرأة هو الإنجاب و أنّ المرأة التي لا تنجب لا مكانة لها في المجتمع ؟ أليس في ذلك تجريح لمشاعر كثير مَن النساء المتطلعاتِ إلى الأمومة؟

الأمّ التي فيّ ستقول «جميل ذاك الاحتفاء لو صدر عن وعيٍ وإيمانٍ بقيمة الأمّ وأدوارها، وليس مجرّد إنشاء حفظناه وتوارثته الأجيال المتعاقبةُ، فتحنّط الكلامُ وتحنّطت منزلةُ الأمّ فلا نرى لها وظيفةً غير القيام بشؤون الأطفال (وعموما ينافس الأب أبناءه في طلب الرعاية والقيام على راحته(.

المرأة التي فيّ تقول: الأمّ امرأةٌ قبل أن تكون أمًّا، وهي امرأةٌ وقد أصبحت أمّا، وتبقى امرأة بعد أن يغادر الأبناء بيت الأسرة، فكيف يعنّف الرجلُ المرأة ويحتقرها ولا يترك وسيلة لإهانتها إلاّ أتاها، فهي «ناقصة عقل ودين» وهي «من السفهاء» وهي «من القوارير» وهي «فتنة»، فاذا أنجبت تمتلك قدسية وترتقي في السلم الأخلاقي والاجتماعي!

كيف تكون الجنة تحت أقدام الأم وفي نفس الوقت يُدعى الرجلُ الى ضرب المرأة وهجرها في الفراش إذلالا لها وحطّا من كرامتها؟ كيف نوكل إليها تربية الأبناء ونجعل الرجل قوّاما عليها استنقاصا من قدراتها؟ كيف يفرض الأب على ابنه احترام أمّه، وهو يعنّفها كزوجة لفظيا وجسديا على مرأى ومسمع منه؟ ما تفسير هذا التناقض في سلوك الرجل العربي غير أنّ العقلية الإقطاعية ما زالت معششة في دماغه، فهو يرى في المرأة وسيلة إنتاج تقوي مركزه الاجتماعي، فيقدّر فيها رحمها الخصيب فقط. وغير أن فكره مقسّم إلى عُلبٍ لا واصل بينها، فعلبة الأمّ لا تفضي إلى علبة المرأة، وعلبة المرأة لا تفضي إلى علبة المجتمع ..

إنّ دور الأمّ في أسرتها لا يختلف عن دور الأب فكلاهما مسؤول ولا تتوازن الأسرة إلا بهما معا ،هما شريكان في منح الحياة و شريكان في المحافظة عليها ولا يكون الطفل سليم العقل والنفسية إذا كان أحد الوالدين  ضعيف الحضور او متسلطا على الآخر ٠لكنّ هذه الأم هي امرأة تتعلّم و تُعلّم ،تقسو وتعطف ،تخطئ و تصيب ،لها غرائز وعقل ومشاعر ،لها مولاتها الخاصة وأنشطتها خارج الأسرة …هي إنسان تماما كالرجل ،لها حقوق وعليها واجبات ووجب احترامها كامل أيام السنة لأنها إنسان كامل ،أمَّا أن نمجّدها يوما في السنة لأنها أمٌّ ثمّ تُهان وتُعنّف ما تبقّى من الأيام لأنّها امرأة فذاك نفاق  وسخف و قلّةُ عقلٍ

تونس

عرض مقالات: