يفضل خريجو الجامعات والمعاهد في العراق، وظيفة حكومية على العمل في القطاع الخاص لأسباب عديدة، مع أن كليهما صعب المنال! ويقف في مقدمة أسباب التفضيل هذا، عدم وجود قوانين تضمن حقوق العاملين في القطاع الخاص. إذ إنه من الممكن أن يعمل الموظف أو العامل في هذا القطاع سنوات طويلة، وفجأة يتم تسريحه وفق أهواء ومصالح صاحب العمل، ودون أي حقوق.

ويرى متابعون أن هناك شحا لفرص العمل في القطاع الخاص، الذي يعاني مصاعب جمة، يقف في مقدمتها افتقار سوق العمل إلى التنظيم والأمن والحماية الاجتماعية.

أما في القطاع العام، فلم يعد الحصول على وظيفة أمرا متاحاً للجميع وفق برنامج التعيين المركزي. إذ لا يتم الاعتماد على المؤهل العلمي المفترض لشغل الوظيفة، أو على مبدأ المنافسة. كما أن الحكومة لا تضمن تعيين أحد من الخريجين مهما كان تحصيله وكفاءته، بسبب سيطرة جهات متنفذة على الدرجات الوظيفية في مختلف الوزارات، وتوزيعها وفق أهوائها ومصالحها.

وخسرت البلاد جراء ذلك الآلاف من الكفاءات التي كان بإمكانها النهوض بواقع البلد في كل المجالات. فقد شد الكثيرون من هؤلاء الرحال إلى بلدان اجنبية، أما من لم يمتلك ثمن تذكرة السفر، فبقي يطرق أبواب الدوائر الرسمية صباحاً، ويتسكع في مقاهي العاطلين مساء!

مقهى العاطلين

هذا العنوان المجازي أطلقه شباب أحد الأحياء الفقيرة في بغداد، على مقهى يلتقون فيها يوميا ما بعد الظهيرة، وبعد نهار شاق يقضونه في البحث عن فرص عمل، وطرق باب هذه الوزارة أو تلك.

ورغم يأس البعض من الحصول على وظيفة، يرى الشاب العاطل عصام، الذي تخرج قبل ثلاث سنوات في معهد الإدارة، أن “الأمل موجود.. لكن حتى إشعار آخر”!

ويعتقد هذا الشاب أن مقاهي العاطلين منتشرة في كل محافظة “إذ أصبح العاطلون أكثر من العاملين، في وقت يحتاج فيه بلدنا لهذه الخبرات”، مضيفا في حديث صحفي، أن “أحزابا متنفذة تحتكر الوظائف، وحتى العقود المؤقتة تتحاصص عليها”!

كلٌ يرمي اللوم على سابقه!

ومع أن الارقام الرسمية لا يعتد بها، لأنها ليست دقيقة في الغالب، لكن نسبة 40 في المائة (وفق ما أعلنه صندوق النقد الدولي عام 2018)، ليست بالرقم الهين لعدد العاطلين عن العمل من الشباب العراقي.

واعتاد المسؤولون، باختلاف مناصبهم، على إلقاء اللوم على من سبقهم في قضية تفشي البطالة، مثلما في غيرها من القضايا.

ففي أحد مؤتمراته الصحفية، قال رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي أن “الحكومات الماضية لم توفر فرص عمل للمواطنين، وكانت هناك فوضى في التعيينات”، معتبرا أن “الزيادة الكبيرة في عدد موظفي الدولة بطريقة شعبوية عبثية، أنهكت الاقتصاد العراقي”.

وبحسب الكاظمي، فإن “نسبة الزيادة في أعداد موظفي الدولة بلغت 400 في المائة”، بين عامي 2004 و2019، وأن القطاع العام “يشكّل ثلثي الموازنة الاتحادية”.

هل الحل في القطاع الخاص؟

ومع وجود هذا العدد الكبير من العاطلين من مختلف الاختصاصات والمستويات العلمية، يبرز دور القطاع الخاص في استيعابهم، لكن يتوجب على الشركات الاهلية أولاً “تحسين ظروف العمل ودفع تأمين صحي للعاملين، ولا بدّ لرواتبها أن تكون على نفس مستوى رواتب القطاع العام. وهذا أكثر تعقيداً، لأنّ في القطاع الخاص ما يهمّ هو الربح” - بحسب منسقة العراق في منظمة العمل الدولية، مها قطاع. ونضيف من جانبنا الى ذلك شمول العمال بالضمان الاجتماعي والحقوق التقاعدية.

أما الباحث الاقتصادي حامد الجبوري، فيرى أنّ “من أسباب ضعف القطاع الخاص في العراق هو غياب القوانين التي تنظّم عمله أو تضمن حقوق العاملين فيه. فمعظم من يتولّون الملف الاقتصادي في البلاد لا يهمّهم القضاء على البطالة أو حل المشكلات الاقتصادية، بقدر اهتمامهم بضمان مصالحهم الشخصية”.

ويؤكد في حديث صحفي، أنّ “غياب القوانين والتشريعات التي تحمي المنتج المحلي أدى إلى إهماله، رغم أنّه يُمكن أن يُساهم في حل مشكلة البطالة بشكل كبير. فهذا الإهمال يدفع بالكثيرين من أصحاب رؤوس الاموال الجشعين إلى استغلال حاجة العاملين معهم وعدم منحهم حقوقهم بشكل كامل. إذ لا يوجد قانون يُجبرهم على تعديل الرواتب أو تحسينها مراعاةً لظروف العمال والموظفين”.

بينما يرى الباحث الاقتصادي د. إيهاب النواب، أنّ “حل مشكلة العاطلين عن العمل سيكون بعيداً في ظل غياب خطط حكومية جادّة، أو خطوات لمحاربة الفساد المالي والإداري الذي ينخر جسد مؤسسات الدولة”، مبدياً في حديث صحفي أسفه على “الطاقات الشبابية العراقية التي أصبحت معطّلة وخارج نطاق الخدمة. حيث يعمل بعض الشباب في مهن هامشية لا تُناسب شهاداتهم، ويتطوّع بعض آخر في وحدات الجيش أو يلتحق بأحد مفاصل الشرطة بحثاً عن راتب شهري. فيما تبقى الغالبية في انتظار حلول حقيقية تُلامس مشكلاتها وتُخرجها من الأزمة”.