مع انطلاق العام الدراسي الجديد، تجددت معاناة تلاميذ العراق بدءا من عدم حصولهم على بيئة تعليمية مناسبة ومستوفية شروطها، وحرمانهم من أبسط حقوقهم في تأمين مستلزماتهم الدراسية ومناهجهم العلمية وغيرها. لكن المشكلة الأبرز التي تواجه الأعداد الأكبر من هؤلاء، هي عدم كفاية الأبنية المدرسية، واكتظاظ الصفوف بالتلاميذ ونقص الأثاث وأجهزة التكييف والخدمات الأساسية، ما يجعل العملية التعليمة خانقة نافرة طاردة!

أكثر المشكلات التي يعانيها التلاميذ اليوم، والتي تعبر عن حجم تدهور الواقع التعليمي في العراق، هي المدارس الكرفانية. إذ عمدت الحكومة منذ سنوات إلى إنشاء المئات منها في غالبية المحافظات كبديل عن الأبنية المدرسية النظامية، سيما في مناطق حزام بغداد.

ووفقاً لمواطنين ومسؤولين حكوميين، فإن المدارس الكرفانية أصبحت أحد أبواب الفساد الحكومي، وكل ذلك على حساب الأطفال الذين حُرموا حتى من حق التعليم الجيد أسوة بأقرانهم في بقية بلدان العالم.

متهالكة ولا تقي من الحر والبرد والرصاص!

يقول مدير “مدرسة المدينة المنورة” في منطقة الجزيرة شمالي بغداد، أيمن الدليمي، أن “الآلاف من الطلبة بدأوا عامهم الدراسي الجديد في صفوف كرفانية متهالكة لا تقيهم من حر الصيف اللاهب ولا من صقيع الشتاء القارس”، مبينا في حديث صحفي، أن “وجود الصغار في مثل هذه المباني يعرّضهم لمخاطر كبيرة، منها الرصاص العشوائي الذي يطلقه البعض، والذي من السهل أن يخترق سقوف الكرفانات”.

ويضيف قائلا أن “المدارس الكرفانية باتت تعرقل العملية التربوية لعدم أهليتها لتقديم التعليم، وافتقارها لأجواء التدريس النموذجي، وبالتالي لا يحظى تلاميذها بمقومات النجاح. كما أن غالبية هذه المدارس أُنشئت قبل سنوات، ولم تجر صيانتها، والأعداد الأكبر منها انتهت صلاحية أرضياتها لأنها مصنوعة من ألواح الخشب، حتى أن بعضها خرج عن الخدمة تماماً”.

مدارس ام أثر بعد عين؟

من جهتها، تقول المشرفة التربوية علياء الراوي، أن “آلاف المدارس النظامية هُدمت بعد 2003، وكان من المؤمل إعادة بنائها مجدداً، لكن ذلك لم يحدث. فبعضها لم يعد له أي أثر على الأرض، وآخر استبدل بمدارس كرفانية”.  وتضيف في حديث صحفي، أن “الحكومات المتعاقبة رصدت موازنات ضخمة لبناء مدارس نموذجية وإنهاء ظاهرة المدارس الكرفانية، وتلك الطينية في القرى والأرياف، لكنها فشلت في تحقيق ذلك. ولا نعرف أين ذهبت تلك الموازنات!”، لافتة إلى أن “وزارة التربية لا تملك أرقاما أو إحصائيات دقيقة حول عدد المدارس الكرفانية، والذي يقدر في بغداد وحدها بالعشرات، رغم أن هذه الكرفانات تصلح للعمل المؤقت، وليست مؤهلة لتكون مباني مدرسية تضم أطفالاً”.

يشار إلى أن الحكومة باشرت خلال الآونة الأخيرة ببناء أكثر من ألف مدرسة في عموم العراق، وهي تخطط – حسب تصريحات رسمية – لبناء عدد مماثل عن طريق اتفاقية مع الصين وصندوق إعمار المناطق المتضررة ومنح دولية.

مخاطر كبيرة

مواطنون كثيرون يشكون من الأوضاع المزرية التي يواجهها أبناؤهم في الصفوف الكرفانية. وفي هذا الصدد يقول أحمد العزاوي أن “الدراسة في الكرفانات مزرية، لكننا مضطرون إلى تسجيل أبنائنا في هذه المدارس لعدم وجود بديل”، مبينا في حديث صحفي أن “معاناة تلاميذ المدارس الكرفانية لا تقتصر على غياب البنى التحتية والخدمات الأساسية والأجواء المدرسية، بل تتعدى ذلك في مواجهتهم مخاطر كبيرة، ومنها التماسات الكهربائية التي تحدث باستمرار، سيما في فترات هطول الأمطار، والتي قد تتسبب في حوادث مميتة، لكون جدران الكرفانات مصنوعة من الحديد، وهذا أفضل موصّل للتيار الكهربائي”.

تَستّر على الفاسدين

إلى ذلك، يقول النائب كامل الغريري، أن “أكثر من 150 مدرسة في بغداد، خاصة في مناطق حزامها، هُدمت قبل أكثر من 10 سنوات من قبل (شركة الفاو) التي تعاقدت معها وزارة التربية لبناء مدارس بمواصفات حديثة. وجميع هذه المدارس لم تجر إعادة بنائها لغاية اللحظة”.

ويوضح في حديث صحفي، أن “المدارس التي هُدمت تحولت إلى كرفانات تعمل بنظام الدوام المزدوج، الصباحي والمسائي، وقد أُنشئت عن طريق تنمية الأقاليم، وذلك حفاظاً على استمرار العملية التربوية التي تراجعت بشكل كبير بعد 2003، شأن كل القطاعات”، لافتا إلى أن “الحكومات المتعاقبة تتحمل مسؤولية انهيار قطاع التعليم، والناتج عن استشراء الفساد، وسيطرة الأحزاب المتنفذة على مفاصل الدولة. إذ يجري التستر على الفاسدين الذين سرقوا المال العام، وحرموا آلاف التلاميذ والطلبة من التعليم”.