يقع العراق في منطقة بلاد ما بين النهرين، دجلة والفرات، واللذين ينبعان من جبال شرق تركيا، وتتدفق مياهما عبر الأراضي التركية والسورية قبل أن تصل الى العراق، وتمتزج معاً في الممر المائي المعروف باسم شط العرب، والذي يصب في الخليج العربي. كما تصب في نهر دجلة بشكل خاص العديد من الروافد التي تنبع من الأراضي

الإيرانية وخاصة من جبال زاغروس.

ويواجه نظام نهري دجلة والفرات مؤخراً، العديد من التحديات كالنقص في كمية المياة وتدني نوعيتها، حيث تهدد التغييرات المناخية وبناء السدود في دول المنبع مصير النهرين، مشكلة خطراً حقيقياً على الطبيعة والسكان، وربما لاحقاً السلم والإستقرار في البلاد والمنطقة.

حوض دجلة والفرات

وتوجد ينابيع دجلة والفرات على مسافة 80 كم من بعضها البعض في شرق تركيا. ويبلغ الطول الإجمالي لنهر الفرات حوالي 2800 كم، فيما يبلغ الطول الإجمالي لنهر دجلة 1900 كم، وتصل مساحة حوض النهرين الى حوالي مليون كم مربع. وتسود في هذا الحوض عدة مناطق مناخية، كمناخ البحر الأبيض المتوسط  والمناخ الحار الجاف، الذي يشبه لحد ما المناخ الصحراوي. وفيما يصل معدل هطول الأمطار في الأجزاء العليا من الحوض الى 1500 ملم في السنة، لايتجاوز معدل هطولها 60 ملم في السنة في الأجزاء الجنوبية من الحوض.

لقد شهد تاريخ الحوض، عبر آلاف السنين، قيام حضارات مختلفة، في بابل وأوروك ونمرود، وتواجدت فيه مواقع مهمة للأديان المقدسة الثلاثة، إضافة الى وجود تنوع قومي بين سكانه، من الترك والعرب والكرد وغيرهم، حيث عاشت الملايين من البشر وحيث يعتقد اليوم بأن نهر الفرات لوحده قادر على إعاشة 60 مليون إنسان.

تحديات كبيرة

تعد أساليب الري المتخلفة، والمعتمدة بشكل رئيسي في العراق، أهم المشاكل التي تتفاقم معها تحديات الجفاف وتقلص إمدادات المياه في النهرين، حيث يشكل الري السطحي 80 في المائة من استهلاك المياه في الإنتاج الزراعي، ولم يشهد إعتماد طرق الري الحديثة، كالري بالتنقيط، تقدماً ملحوظاً. 

وفيما أدت عقود من الحروب وإستشراء الفساد في البلاد، إلى إضعاف البنية التحتية، أدى التملح وغدق التشبع بالمياه إلى فقدان 1.5 مليون هكتار، أي ما يعادل حوالي 40 في المائة من الأراضي العراقية الصالحة للزراعة. ويعتقد بأن البلاد ستحتفظ بحوالي 20 في المائة فقط من موارد المياه العذبة المتاحة بحلول عام 2050. والى جانب التغييرات المناخية التي شهدتها البلاد، والمتمثلة بإرتفاع درجة الحرارة بمقدار 0.4 درجة مئوية وموجات من الجفاف والحر الشديد، والتي قللت مياه دجلة بنسبة 29 في المائة والفرات بنسبة 73 في المائة، ادى إنشاء تركيا لأثني عشر سداً و19 محطة كهرومائية (خاصة ضمن مشروع جنوب شرق الأناضول) الى إمكانية تخزين كمية من المياه تعادل تقريبًا التدفق السنوي الكامل لنهر الفرات وما يعادل 70 في المائة من التدفق السنوي في نهر دجلة. كما أدى تحويل مجرى روافد دجلة من قبل إيران، ومنع جريانها الى داخل الأراضي العراقية، الى تقليل مياه النهر حالياً بشكل كبير، في وقت تتوفر فيه إمكانية لدى طهران لحجب 7 مليار متر مكعب من الماء، تعبر الحدود الى العراق سنوياً، إذا ما إستكملت إنشاء 109 سدود، تنوي إقامتها على هذه الروافد في موعد أقصاه 2036.

تعاون دولي ومحلي

وهناك اليوم حملة واسعة، تقوم بها بعض المؤسسات الحكومية، والنشطاء مثل “منظمة حماة دجلة” و “منظمة حماة الفرات” لإنقاذ النهرين والزراعة في البلاد، عبر تشجيع اتخاذ إجراءات فورية لعقلنة استهلاك المياه. كما تتعاون العديد من الجهات الفاعلة الدولية (مثل People in Need و Cordaid) مع المزارعين المحليين والمؤسسات الرسمية لتطوير الأعمال الزراعية والتجارية وفق منظور بيئي في المنطقة، فيما تلقت البلاد أكثر من ملياري دولار من البنك الدولي كمساعدات خارجية في عام 2020.

مفاوضات متعثرة

لم يكن استخدام المياه مصدر توتر بين تركيا وسوريا والعراق، قبل ستينيات القرن الماضي. ومع النمو السكاني والتقدم التكنولوجي، بدأت هذه الدول مشاريع تنمية مائية أحادية الجانب، مثل سد كيبان في تركيا وسد الطبقة في سوريا، فإشتدت التوترات، لاسيما منذ عام 1975، حيث برزت تركيا كأقوى قوة في الحوض، يمكنها من إستخدام تدفق نهري دجلة والفرات للضغط على جيرانها على ضفاف النهرين. ورغم محاولة إعادة إنشاء اللجنة الفنية المشتركة لعام 1980 وتوقيع عدد من مذكرات تفاهم مع سوريا والعراق بشأن إدارة المياه في عام 2009، فإن أنقرة تهربت من تنفيذ وعودها وواصلت ملء السدود، لاسيما مع محدودية التزاماتها القانونية الدولية بسبب رفضها التوقيع على اتفاقية الأمم المتحدة بشأن المجاري المائية لعام 1997. ويبدو الوضع بين العراق وإيران أكثر صعوبة، حيث ترفض إيران كما يبدو الدخول في حوار حول ذلك، الأمر الذي حاول معه العراق رفع دعوى قضائية ضدها في محكمة العدل الدولية في لاهاي.

ويعد إختلال التوازن التجاري بين العراق وتركيا، أحد الأسباب التي تجعل تركيا قادرة على الحفاظ على ميزتها المائية على العراق، حيث تبلغ صادرات تركيا اليه أربعة أضعاف صادراته اليها، وهي صادرات ضرورية للغاية تتضمن المواد الغذائية والملابس، فيما تقتصر الصادرات العراقية الى تركيا على المعادن والمنتجات النفطية، مما لا يمنح العراق تأثيراً تجارياً يمكنه الإستفادة منه.

حلول وإستنتاجات

على الصعيد المحلي، ولمواجهة التحديات المائية، تركز منظمة الماء والسلام والأمن (WPS) على الإهتمام بالتفاعلات الداخلية، التي غالباً ما تُهمل من قبل السياسيين ووسائل الإعلام والتقارير العلمية المتعلقة بقضايا المياه في العراق. وتقترح المنظمة ثلاث خطوات مهمة بهذا الشأن والتي تعتمد على تحديد وفهم التحديات المائية البينية بين المحافظات، وزيادة الوعي وتشجيع الحوار بين السكان، ودعم وتشجيع كل النشاطات التي تمنع أو تخفف الخلافات حول المياه.

ودولياً، ترى المنظمة ضرورة استمرار الجهود الدبلوماسية مع دول المنبع، والتأكيد على أهمية المعاهدات متعددة الأطراف لزيادة التدفقات في نهري دجلة والفرات. ومن المهم الإستفادة من النشاطات الدولية القادمة ذات العلاقة مثل مؤتمر COP 27 والذي سيعقد في الفترة من 7 إلى 18 تشرين الثاني من هذا العام في شرم الشيخ بمصر، والتعاون مع المصريين الذين يعانون من ذات المشاكل مع دول منبع النيل، لاسيما في محاولاتهم لحل مشكلتهم مع أثيوبيا بالطرق الدبلوماسية ووفق القانون الدولي.

كما سيعقد في العام القادم، مؤتمر COP 28  في أبو ظبي في الإمارات العربية المتحدة، والذي سيمنح صناعة النفط صوتاً في حل مشكلة تغير المناخ حسب تصريح للرئيس التنفيذي لشركة أوكسيدنتال بتروليوم، ولاسيما في المساعدة على تنفيذ خطوات كبيرة للحد من التلوث، وهو أمر في غاية الأهمية للعراق لتقليل التأثير السلبي لصناعة النفط على جودة المياه فيه. ويبقى الحوار النشط بين العراق ودول المنبع، أمرا مهماً جداً، ويمكن أن تلعب المنظمات الدولية كالبنك الدولي و مجلس المياه العالمي دوراً مساعداً في ذلك.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  • الباحث الهولندي جاكوب أوليفر دي ليث ـ عن موقع Fanak Water