عانى البلد خلال العقود الماضية أحوالا سيئة بسبب الظروف السياسية العامة وغياب البرامج الاقتصادية. بينما كانت حقبة السبعينيات من القرن الماضي أفضل حقبه زمنية ازدهر بها القطاع الزراعي بسبب نشاط الدولة في استصلاح الأراضي الزراعية وانشاء الجمعيات التعاونية، ثم تلتها فترة الحروب والحصار الاقتصادي التي أدت إلى ابتعاد البلد عن التطور التكنلوجي الذي وصل اليه العالم المتطور.

وكانت حقبة التسعينيات جيدة نوعا ما في الإنتاج الزراعي بسبب الحصار الاقتصادي لكن طرق الزراعة البدائية هي التي كانت سائدة. والانتكاسة الكبرى في هذا القطاع الحيوي حصلت في البلد ما بعد عام2003 بسبب غياب البرامج الاقتصادية وقلة الدعم الحكومي وفتح الحدود على مصاريعها لكل دول الجوار وأصبح العراق سوقا استهلاكيا لها. وبعد ان كان العراق يعتمد قبل عام 2003 على الإنتاج المحلي بالكامل أصبح الإنتاج المحلي لا يشكل سوى %20 من الاستهلاك، وبسبب عدم اعتماد المزارع العراقي على التقنيات الحديثة في الزراعة، ورفع الدعم الحكومي أصبحت تكاليف الإنتاج باهظة وغير مجدية اقتصاديا مما أدى إلى عزوف أكثر العاملين في القطاع الزراعي عن الزراعة ونزوحهم إلى المدينة، وكانت أكبر عمليه نزوح مر بها القطاع الزراعي. ومحافظة بابل ليست استثناء من بقية المحافظات، هذه المحافظة التي تنتج العديد من المنتوجات الزراعية منها:

محاصيل الحبوب: الحنطة والشلب والشعير كونها محاصيل استراتيجية ومن واجب الحكومة دعمها، فقد حافظت بعض الشي على انتاجاها كون الدولة ملزمة باستلامها مركزيا. الا انها مرت في السنين الأخيرة بأزمات كبيرة جدا منها، انخفاض الحصه المائية بحيث وجهت الجهات المختصة بتخفيض الخطة الزراعية بنسبة 50% عن الأعوام الماضية. والمشكلة الأكبر هي عدم تسليم المستحقات المالية لأكثر من عام وهذا ما يجعل المزارع يعكف عن الزراعة، فضلا عن عدم تسليم المزارعين الأسمدة والمبيدات فمثلا انخفضت حصة الدونم من 25 كغم وهي غير كافية أصلا إلى 5 كغم، وكانت المساحات المزروعة في محافظة بابل في العام الماضي 320 ألف دونم في اما في العام الحالي 160 ألف دونم، اما المبالغ المتأخرة عن الاستلام للعام الماضي 63 مليار دينار من أصل 137مليار دينار وهذا سبب رئيسي في ازمة الثقة بين المزارع والدولة.

محاصيل الخضر: تعتبر محافظة بابل سابقا من المحافظات الغنية بإنتاج محاصيل الخضر وممولا رئيسيا لأغلب محافظات العراق، وهناك 80 بالمائة من الاراضي الصالحة للزراعة تزرع سنوياً لأن إيرادها مجد اقتصاديا، والمزارع البابلي متميز في الإنتاج بسبب توفر مستلزمات هذا الإنتاج وبأسعار مناسبة مثل الوقود والسماد والمبيدات مما يكون هامشا ربحيا متميزا للمزارع، ألا أنه بعد 2003 واتساع الاستيراد من دول الجوار وبأسعار زهيدة أثرت سلباً على ما أنتجه المزارع العراقي، وكذلك الزيادة الهائلة بأسعار المقومات الزراعية كالأسمدة والوقود وتكاليف الحراثة مما جعل الفلاح يترك أرضه شيئاً فشيئاً وهجرها بالإكراه بسبب زيادة كلفة الإنتاج الزراعي و اصبح انتاج المحافظة لا يكفي للاستهلاك المحلي .

التين: تعتبر محافظه بابل من أولى محافظات القطر في انتاج محصول التين وخاصة في منطقه الكفل وتبلغ المساحات المزروعة (1200 دونم) وإنتاج النبتة الواحدة (100-150 كيلو غرام) ونجاح زراعة التين في بابل بسبب أسعاره الجيدة وعدم وجود منافس من دول الجوار ونوعيته المتميزة.

النخيل:  تعتبر النخلة سيده الأشجار على مر العصور ومحافظة بابل من المحافظات المتميزة بإنتاج التمور، وكان المزارع في المحافظة يعتبر التمور من أهم مصادر دخله، وكانت الحكومة تستلم كل الإنتاج عن طريق مراكزها المنتشرة في كافة مدن المحافظة وبأسعار جيدة مما جعل الفلاح يعتني بالنخلة بشكل مستمر ويضيف اصنافا جيدة إلى حقله، إلا أن ألغاء دور الحكومة في استلام التمور وتحكم المضاربين والتجار بالأسعار وانخفاضها أدت إلى عزوف أكثر المزارعين عن زراعة النخيل واهمالها بالإضافة إلى غزو انتاج الدول المجاورة الذي اصبح منافسا قويا للإنتاج المحلي فضلاً عن تجريف اغلب المساحات قرب المدن وتحويلها إلى قطع سكنية وعدم وجود رادع حكومي يمنع ذألك.

العنب: تعتبر محافظة بابل متميزة بإنتاج العنب حيث بلغت انتاجها (أكثر من 70٫000 طن سنويا) وتتركز زراعته في منطقة الحمزة الغربي وتبلغ المساحات المزروعة (تقدر ب 5000 دونم) ويصدر انتاجه إلى كافة محافظات العراق لكنه بحاجة إلى الدعم الحكومي من اسمده ومبيدات زراعية، وهناك حاجة ماسة للاستفادة من الفائض في الإنتاج بأنشاء معامل تعليب خاصة بالعنب.

قطاع الدواجن: يعتبر قطاع الدواجن في محافظه بابل قطاعا واعدا، وهو بحاجة إلى دعم الدولة وسيطرة نوعيه متميزة تتحكم في مدخلات هذه القطاع. وفي لقاء مع الدكتور محمد مخيف نقيب الاطباء البيطريين في بابل والدكتور حيدر المرعب صاحب مكتب بيطري ومشرف على عدد من حقول الدواجن في المحافظة. أوضحا ان عدد الحقول المشيدة في بابل 706 مشروع والعامل منها 40 مشروعا و11مشروعا لبيض المائدة من أصل 22، وأشارا إلى معوقات كثيره ادت إلى انخفاض مستوى الانتاج في المحافظة منها:

  1. عدم وجود سيطرة نوعية من قبل الجهات على الأدوية واللقاحات الداخلة للبلد ومدى كفاءتها.
  2. عدم أخذ عينات عن الحالات المرضية المحلية ومن ثم جلب العلاج او اللقاح الفعال لهذه الحالات.
  3. استيراد أفراخ او بيوض من النوعيات غير الجيدة وذات السلالات غير المقاومة للأمراض.
  4. أغلب قاعات التربية غير نموذجية وغير مطابقة للمواصفات الصحية.
  5. غياب دور الدولة بالسيطرة على الإنتاج وتحديد الاستيراد.
  6. عدم الاستفادة من المجازر بشكل صحيح عندما يكون هناك فائض بالإنتاج.
  7. عدم اعتماد المسافات النموذجية بين الحقول لتفادي الأوبئة والأمراض.
  8. الاستيراد غير المبرمج وعدم مراعاة المنتج محليا وفضلا عن أدخال كميات هائلة من المنافد الحكومية وبطرق غير رسمية خاصة في المناطق الشمالية.
  9. غلاء الأعلاف فضلا عن رداءة مكوناتها.
  10. العشوائية في بناء القاعات وعدم استشارة المختصين في هذه المجال وانتشار البيوت البلاستيكية وغير المطابقة للمواصفات.
  11. خريجو الكليات من الاطباء غير مؤهلين للعمل الميداني لأن اغلب الكليات لا توجد فيها مختبرات علمية جيدة وبعيدون عن العمل الميداني.
  12. ضعف مستوى المربين والحاجة إلى إدخالهم دورات بهذا الغرض.
  13. عدم وجود اي تعويض لحالة الهلاكات التي تحدث ويتحملها اصحاب الحقول مما يثقل كالهم ويجعلهم عازفين عن المجازفة مرة أخرى.

الماشية: تعتبر تربيه الماشية في محافظه بابل في أغلبها تربية بدائية وتتم عن طريق تربية المزارعين للأغنام والابقار دون اعتماد الطرق العلمية في التغذية واعتماد سلالات تقليدية بحيث يكون الايراد المادي ليس بالمستوى المطلوب، أما الحقول التي تعتمد الطرق العلمية من ناحية التربية واعتماد سلالات متميزة وذات موصفات نتاجيه عالية فقليلة جدا لعدم وجود جدوى اقتصادية فيها لأسباب أهمها:

  1. عدم وجود سلالات متميزة.
  2. أسعار الأعلاف الباهظة وغير المدعومة من قبل الدولة.
  3. تحتاج إلى اجواء مناسبة للتربية.
  4. عدم أستلام الحليب ومشتقاته من قبل الدولة.

الخلاصة:

  1. تعتبر فتره ما بعد 2003 أسوأ فترة مر بها القطاع الزراعي بسبب الاستيراد من دول الجوار وعدم السيطرة على المنافذ الحدودية، وأصبح العراق سوقا لهذه الدول ولم تتم حماية أنتاج البلد بأي قانون وان وجد مثل هذا القانون فأنه لا يفعل.
  2. عدم وجود دعم للقطاع الزراعي وأن وجد فأنه غير مدروس وغير مراقب من الجهات المختصة وأصبح الدعم بابا من أبواب فساد المتنفذين في السلطة.
  3. تجريف وبيع الاراضي الزراعية وتحويلها إلى أراض سكنية وخاصة القريبة من المدن، كما راجت تجارة الاراضي الزراعية بشكل مهول وذاك لعدم قيام الدولة بدورها بتوزيع أراض سكنية تحت السيطرة، ومنع التجاوزات على الاراضي الزراعية.
  4. تدمير المعامل والمنشآت المساندة كمعامل الأسمدة والتعليب التي كانت تسحب الفائض من الانتاج المحلي.
  5. نزوح اعداد كبيرة من الفلاحين لان الحياة في الريف تتجه نحو المجهول.
  6. عدم اعتماد التقنيات العلمية وعدم الاستفادة من البحوث المختصة التي من شأنها زيادة انتاج الغلة.
  7. ألغاء نقاط تجميع الحليب التي كانت موجودة في أغلب المناطق التي كانت تدار من قبل الدولة وبأسعار مجزية، وتوزيع الاعلاف كلا حسب انتاجه من الحليب.
  8. عدم أستلام التمور مركزيا وهدر هذا الثورة الوطنية التي بقيت بيد المضاربين في الأسواق.
  9. قلة عدد السايلوات لاستلام الحبوب المنتجة محليا.
  10. التأخير في تسليم المستحقات للمزارعين من الحنطة والشعير والشلب لأكثر من موسم.
  11. الغلاء الفاحش في الأسمدة والمبيدات الزراعية.
  12. استيراد المواد الزراعية من دول الجوار أصبح وسيلة غسيل الاموال لدى المتنفذين بالدولة.
  13. عدم الاستفادة من المبادرة الزراعية التي اصبحت وبالا على القطاع الزراعي لعدم تنفيذها في مكانها الصحيح وعدم متابعه تنفيذها من الجهات ذات العلاقة.
  14. يفترض ان يكون الدعم الحكومي ليس ماديا اي عن طريق توفير مقومات الزراعة لأن الدعم يستغل خارج القطاع الزراعي.
عرض مقالات: