تشهد مدينة الديوانية انتشاراً ملحوظاً للعشوائيات ففي عقدين من الزمان تحوّلت حتى المساحات الفارغة والمناطق الزراعية إلى مناطق سكنية عشوائية، تكتظ بآلاف الأسر التي تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة والبيئة الصحية، في ظل غياب شبه تام للخدمات. ويعني ذلك أن الوضع الاقتصادي المتردي سيواصل مفاقمة المشكلة، ما لم تباشر السلطات المعنية خططا ناجعة وبإرادة حقيقية تستهدف انتشال هؤلاء الناس من حال معيشتهم المأساوية.

وعملت الجهات المعنية، بتوجيه مباشر من سلطات عليا، على إزالة بعض العشوائيات بصورة قسرية، هنا وهناك، لكنها تتجاهل الثمار السامة لتلك الحملة، إذ أنها تدير ظهرها للأوضاع الانسانية والاجتماعية، من دون التفكير في ايجاد بديل يأوي اغلب العوائل الساكنة في الاحياء العشوائيات، التي تكاد لا تغطي قوت يومها بشكل مستمر.

المكتب الاعلامي للحزب الشيوعي العراقي في الديوانية رصد هذه الظاهرة القديمة الجديدة من خلال استطلاع اراء بعض المعنيين والمواطنين.

فوارق طبقية

المهندس محمد عبد علي قال: أجد أن نشوء العشوائيات ناجم عن امرين؛ الاول هو الفوارق الطبقية بين فئات الشعب في ظل الحاجة الى سكن تحت وطأة الانفجارات السكانية. والثاني هو تقاعس الدولة عن ايجاد حلول جذرية للموضوع، لذا ارى أنه سيكون مناسبا ولائقا ان يجري توفير مجمعات سكنية في مناطق محاذية للمدينة وبناء دور واطئة الكلفة، ومن ثم ـ بالمقابل ـ تفعيل قرارات رفع التجاوزات، بدءاً بالمناطق المهمة مروراً بالاقل اهمية.

وأضاف، ان ذلك ليس بالأمر السهل حيث يتطلب الحصول على التمويل اللازم وامتلاك الارادة لمعالجة هذا الملف.

فيما قال الموظف في دائرة التخطيط محمد فليح، انه “يجب على الجهات المعنية توفير أماكن بديلة للعشوائيات حيث توجد مساحات كثيرة ملاصقة للمدن صالحة للاستغلال كمساكن صالحة للعيش، توزع بين الفقراء وسكنة العشوائيات هذا بالنسبة للدور السكنية، اما المتجاوزون على الشوارع الرئيسة فيجب اتخاذ الإجراءات اللازمة وفرض الغرامات المالية والعقوبات”.

محط جدل

يقول المواطن باسم محمد: ان مناطق السكن العشوائي تثير جدلا كبيرا على المستوى الدولي وبخاصة المنظمات الدولية التي تعنى بالسكن والمنظمات الإنسانية التي تعنى بمجال حقوق الإنسان وحرياته الأساسية.

ويضيف: في الديوانية وبعد سقوط النظام اخذ المواطنون بالاستحواذ على مناطق واسعة من الأراضي التابعة للدولة، وتحولت تلك الأراضي الى بيوت بمساحات مختلفة؛ بعضها يبنى من الطين أو أكواخ من الصفيح، والبعض الآخر بنيت على طراز يضاهي مباني المناطق السكنية القانونية، لان أصحابها ربما من الطبقات الميسورة.

وأشار باسم إلى: أن الذين اتخذوا من هذه العشوائيات مكاناً للسكن بشكل مؤقت او دائمي قد يكونون مضطرين لأسباب مختلفة، من بينها الثارات العشائرية او الهجرة من الريف الى المدينة للبحث عن فرص العمل او الفقر ومحدودية الدخل وعدم القدرة على تحمل إيجارات المنازل، الامر الذي دفعهم للبحث عن مناطق تؤمن لهم سكناً ـ أي سكن.

 ولفت الى: ان تلك العشوائيات غير منتظمة بسبب ان بناءها جاء دون استحصال تراخيص من جهات رسمية وخارج خطط التنمية والتخطيط العمراني للحكومة، ما جعلها محرومة بشكل جزئي او كلي من توفر الخدمات الأساسية فيها كالمياه والكهرباء والمدارس والمراكز الصحية.

وبين: ان الدولة وبمختلف مؤسساتها مسؤولة عن حماية المواطن وتوفير الامن والأمان له، ولا يتحقق ذلك الا بوجود سكن لائق، لذلك هي ملزمة من الناحية الدستورية والقانونية بتوفير سكن لمواطنيها، ولو بالحد الادنى، وان اهمال هذه القضية يدفع المجتمع نحو الفوضى، لان مثل هذه التجاوزات مخالفة قانونية وغير نظامية، ناهيك عن ان بعض التجمعات اصبحت مرتعاً للجريمة وعنواناً من عناوين الفوضى ومظهراً للفقر والجهل والامية والامراض وربما تخرج عن سيطرة الدولة والقانون، وعليه يجب على الدولة ان تضع خططاً استراتيجية قصيرة ومتوسطة او طويلة الامد لمعالجة الامر.

مراحل متعددة

فيما يرى علي الفتلاوي: هناك مقولات عدة لسياسيين ورجالات دولة ومعنيين بالقانون سابقين ومعاصرين تتحدث عن قوة الدول وضعفها في مراحل متعددة من التاريخ، وكيف حمت القوانين والأنظمة المدروسة جيدا دولا عديدة من الانهيار. ومن هذه الأمثلة في العصر الحديث ما حدث في المانيا وفرنسا وكثير من دول أوروبا واليابان إبان الحربين العالميتين الاولى والثانية؛ حيث حاول الكثير من الفقراء والمعوزين والمشردين الاستيلاء على اراض لم تكن ملكا لهم، ليشيدوا عليها بنايات بسيطة او اكواخ، بعيدا عن أعين السلطات ولكن كل محاولاتهم باءت بالفشل برغم انشغال حكوماتهم بالمجهود الحربي، وتم إيجاد بدائل سريعة، بعد تقديم حجج دامغة بعدم امتلاكهم اي مأوى، وكحلٍّ سريع مثلا تم إيواء الكثير منهم في المدارس الحكومية والدوائر المغلقة بسبب الحرب. اما الاستيلاء على الأراضي فهذا لم يحدث اطلاقا في تلك الدول.

واشار الفتلاوي الى: ان الذي حدث في العراق مختلف تماما، بسبب الفراغ والانفلات الأمني الذي خلفه سقوط النظام السابق حيث استولى البعض على اراض عائدة للدولة دون محاسبة من اي جهة حكومية، معللين ذلك بعدم استطاعتهم دفع الإيجارات الباهظة، وعدم وجود فرص عمل، ولانشطار العوائل، واصبحت هذه ظاهرة لا يمكن التخلص منها اطلاقا.   

ولفت الى: ان على الدولة وهي تمتلك موارد جيدة ان تنظر جيدا لحل هذه الظاهرة ببناء مساكن اقتصادية للمواطنين المتجاوزين، وإجراء جرد شامل، بعيدا عن الفساد لمعرفة عدد العوائل التي تستحق بصدق بناء منازل لهم. وبين الفتلاوي: ان بقاء هذه الظاهرة يفرز الكثير من المشاكل مستقبلا؛ فهناك مساحات من الاراضي مخصصة لبناء مدارس واخرى ومراكز صحية اصبحت مجمعات عشوائية، وهذا يؤثر بطبيعة الحال على مستوى الخدمات التي ستقدم للمواطنين، ناهيك عن المخاطر البيئية والهدر في أموال الدولة.

ايجاد البديل

ويرى المواطن حسن الكرعاوي: أن هذه الظاهرة حدثت نتيجة لضعف مؤسسات الدولة بعد 2003، وأخذت بالازدياد نتيجة الوضع الاقتصادي، واستفحلت بشكل ملحوظ حتى صارت هناك أحياء كاملة، بُنيت بما يُسمّى العشوائيات أو التجاوزات التي يصعب على الحكومة إزالتها من دون إيجاد بديل للمواطنين.

واضاف: لقد تغيرت جغرافية المدينة وتشوهت معالمها، وهنا سوف نذهب إلى قضية حساسة تتعلق بالأمن؛ بحيث تنتشر في العشوائيات عصابات الجريمة المنظمة وتجارة المخدرات والسلاح، وربما تكون بؤراً جديدة للإرهاب. وهذا ما سيجعل القضاء عليها صعباً. 

الفقر والجوع

ويرى المواطن حسين كريم، ان الفقر والجوع والعوز وعدم امتلاكهم مساكن هو الذي دفعهم للبناء في تلك المساحات من الاراضي الفارغة.

واضاف: ان اغلب تلك العوائل مجبرة على العيش في هذه الاماكن التي تفتقر الى ابسط الخدمات، الى جانب مستوى المعيشة الذي يكون في العادة متدنيا جداً.        

وناشد كريم الحكومة إيجاد حل لتلك العوائل الفقيرة، وتوفير مكان مناسب للسكن يقيهم وأطفالهم من برد الشتاء وحر الصيف.

عرض مقالات: