تشتغل وزارة الزراعة على مواجهة ظاهرة التصحر والحد من زحفها على المناطق السكنية، من خلال تأهيل الغابات ومحطات المراعي الطبيعية والتشجير وغيرها من النشاطات، لكنّ مراقبين ومتخصصين يحذرون من خطورة التصحر واجتياح الكثبان الرميلة للأراضي الزراعية، لافتين الى أن عملية مواجهتها تفتقر إلى وجود الاستراتيجيات الوطنية والحلول اللازمة والتخصيصات المالية اللازمة. ويؤكد المراقبون أن الاجراءات الحكومية ضعيفة، ولا توجد توقعات بخروجها بنتائج ملموسة، وأن تقارير رسمية تفيد بأن نصف مساحة أراضي البلاد تواجه تهديدا حقيقيا بفعل التصحر.

تفاؤل حكومي

وقالت مدير عام دائرة الغابات ومكافحة التصحر في وزارة الزراعة، راوية مزعل، إن “دائرة الغابات ومكافحة التصحر في وزارة الزراعة ستبدأ بحملة تشجير تشمل عدداً من المواقع في البلاد”.

وبحسب حديث صحافي لمزعل، فأن “الدائرة في طور الاستعداد للحملة الخريفية السنوية لمقاومة التصحر والتقليل من الآثار السلبية للتغيرات المناخية وارتفاع درجة الحرارة. وعلى المستوى الداخلي جرى البدء بنشاط مشروع تثبيت الكثبان الرملية على الطريق السريع الدولي الذي يربط المحافظات (ذي قار والمثنى والديوانية)، بأعمال التغطية الطينية للكثبان الرملية وبعدها ستكون هنالك أعمال التثبيت الميكانيكي، وأعمال التثبيت البيولوجي، والتشجير، وإيجاد مصادر المياه لغرض سقي تلك النباتات”، مبينة أن “الهدف منه هو التقليل من الآثار السلبية للعواصف الغبارية والترابية التي أصبحت مألوفة بالآونة الأخيرة في العراق”، فيما أشارت إلى أن “المشروع سيكون متكاملاً للقضاء على ظاهرة التصحر والعواصف الغبارية والترابية في البلاد”، بحسب قولها.

ونوهت الى أنه “على الصعيد الدولي تم الإعداد لأوراق عمل خاصة لكل وزارة تقدم مع الوفود لوضع رؤية استراتيجية للحد من التأثيرات السلبية ومقاومة التصحر، والتركيز أيضا على مواضيع المياه والجفاف التي يعاني منهما العراق”، لافتة الى أن” الأوراق ستقدم في مؤتمر القاهرة الخاص بالأطراف الدولية والذي سيعقد في السابع والعشرين من تشرين الثاني للعام الجاري”. 

وواصلت أن “هناك مساعي لتأهيل الغابات في البلاد، والاستعدادات قائمة لتجهيز مستلزمات العمل الخاصة بدليل الغابات وعدد من محطات المراعي الطبيعية لزيادة النبات الطبيعي، وتوفير الغطاء النباتي لتحسين البيئة”.

وبيّنت أن “الوزارة تسعى الى إعادة نشاط مشروع الواحات الصحراوية في محافظة الأنبار الذي تعرض الى هجمات من قبل عصابات داعش الإرهابي إبان اجتياح المحافظة، والعمل جار على إعادة تأهيل عدد من هذه الواحات من خلال توفير مستلزمات العمل، والأيدي العاملة، فضلاً عن مشاركة السكان المحليين في الأعمال، لغرض امتصاص البطالة”.

ظاهرة تقتل البلاد

وعلى صعيد متصل، لا يخفي المهتمون بهذا الشأن قلقهم من استمرار ظاهرة التصحر بعدما أصبحت الكثبان الرميلة تفترس الأراضي الخصبة، بينما تتزايد الدعوات إلى ضرورة إيجاد برامج واضحة ومجدية لحل هذه القضية المهمة والتي تمسّ حياة الناس بشكل مباشر.

وأكدت التقارير الدولية المعنية بالبيئة والمناخ أن العراق خامس أكثر الدول المتضررة من أزمة المناخ وما يرافق هذا الترتيب المقلق من نسب جفاف عالية وارتفاع لافت في درجات الحرارة.

ويقول الناشط البيئي، عمر سعد، أن المهتمين بالشأن البيئي والمناخي والمنظمات المعنية يرون أن الحكومات مسؤولة بشكل مباشر عن تقلص المساحات الخضراء واستفحال ظاهرة التصحر. وأن حديث وزارة الزراعة الأخير عن وجود برنامج لحل الأزمة، لن يلاقي اهتماما حقيقيا من المعنيين بهذا الشأن، لأن الكثير من البرامج أطلقت في السابق دون أن تحقق نتائج تذكر.

ويوضح سعد خلال حديثه مع “طريق الشعب”، أن “الحكومات ومنذ ما بعد 2003 تجاهلت وضع أي سياسة واضحة للمياه ومواجهة الجفاف وتنامي حالة التصحر وبات هذا الملف أمام تحديات خطرة تواجه البلاد دون أي يحظى باهتمام جاد وخطوات عملية”، مبينا أن “وزارة الزراعة مستمرة بالتعثر في تعاملها مع المساحات الخضراء وهي بلا خطط رصينة للأمن الغذائي”.

ويضيف المتحدث قائلا: “أوضح ديوان الرقابة المالية أنّ سياسة مكافحة التصحر الخاصة بوزارة الزراعة، غير مجدية وأن نسبة الأراضي المهددة تشكل نصف مساحة البلاد بينما هناك 16 في المائة من الأراضي تعاني حاليا من التصحر وهذه نسب مرعبة ولا بد من ايجاد الحلول لها”، مردفا أنه “لم تحظ هذه الأرقام بأية إجراءات وردود فعل سريعة من قبل الحكومة وهناك جهل كبير بحجم وخطورة هذا الموقف”.

تضرر عدد كبير

من جانبه، يقول الأكاديمي حيدر جمعة، إن حوالي سبعة ملايين مواطن تضرروا من الجفاف والتصحر، حيث رصدت هجرة كبيرة خلال السنوات الماضية أدت إلى الكثير من المشاكل.

ويوضح جمعة لـ”طريق الشعب”، أنه على سبيل المثال “أكدت محافظة ذي قار قبل أسابيع أنها تستعد لإعلان مناطق الأهوار كمناطق منكوبة، حيث هاجر الآلاف منها بسبب الجفاف، بينما يهاجر آخرون نتيجة التصحر الذي يقضي على المساحات الخضراء، ويقلل حظوظ الزراعة التي تعاني ما تعانيه منذ سنوات”.

ويضيف المتحدث أن “نتائج الجفاف والتصحر الحالية هي مجرد بداية رغم خطورتها وتأثيرها، وهنالك أمور قادمة تحمل الكثير من السوء لحياة المواطنين، فلا بد من الاستعداد للتغيرات المناخية ووضع الخطط الحقيقية لوقف هذه الظواهر التي أصبحت تهدد أهم البلدان الخصبة والمعروفة بمساحاتها الزراعية”.