عاما بعد آخر وحالات الانتحار في العراق تتصاعد بشكل غير مسبوق. وفيما تعجز السلطات الرسمية وغير الرسمية عن الحد من هذه الظاهرة الخطيرة، يشكل التدهور الاقتصادي المعيشي وواقع الفقر والبطالة، أبرز الأسباب التي تدفع الشباب العراقي الى اختيار الموت مصيرا.

ومنذ مطلع العام الحالي حتى تموز الفائت، سجل العراق نحو 420 حالة انتحار في عموم المحافظات، أي بمعدل حالتين في اليوم الواحد – وفق ما أعلنته مديرية الشرطة المجتمعية في تصريح صحفي، والتي رأت أن “الفقر والبطالة والعنف الأسري وتعاطي المخدرات هي أهم أسباب حالات الانتحار في البلد”.

وبحسب إحصاءات رسمية، فإن العراق سجل خلال عام 2021 أكثر من 772 حالة انتحار، متخطياً حصيلة العام 2020 التي بلغت 663 حالة.

اما العام 2016 فقد شهد أكثر من 393 حالة انتحار، وفي 2017 ارتفعت الحصيلة فبلغت 462 حالة. بينما كان العدد في العام 2018 نحو 530 حالة، وفي 2019 تم تسجيل 605 حالات.

وكانت وزارة الداخلية قد ذكرت في بيان صحفي، أن “36.6 في المائة من المنتحرين العراقيين، كانت أعمارهم أقل من 20 عامًا. فيما شكلت نسبة الذكور 55.9 في المائة من الحصيلة، والإناث 44.1 في المائة”.

ناقوس الخطر

وتنقل وكالة أنباء “الترا عراق” عن مصدر أمني في محافظة ذي قار، قوله أن قصص الانتحار العراقية تتصدر مواقع التواصل الاجتماعي بين فترة وأخرى “ما يدق ناقوس الخطر في شأن انتشار هذه الظاهرة بين الشباب”.

ويوضح المصدر الذي لم تعلن وكالة الانباء عن اسمه، أنّ “الأوضاع الاقتصادية، والتقاليد الأسرية كالإجبار على الزواج وتقييد الحريات وغيرها، كانت أبرز الأسباب التي تدفع الشباب نحو الانتحار”.

ويرى مراقبون أنّ أكثر حالات الانتحار المسجلة كانت في المحافظات الجنوبية. إذ يكون للجانب العشائري والطابع الاجتماعي المتعصب دور اساسي في اتساع هذه الظاهرة.

وفي إحصاءات رسمية سابقة لوزارة التخطيط، فأنّ محافظات الوسط والجنوب تعاني معدلات فقر كبيرة، حيث يعيش نصف السكان تقريبًا تحت خط الفقر. 

حالات قتل تسجل انتحارا

بدأت ظاهرة الانتحار في العراق تأخذ حيزًا واسعا منذ العام 2016 وإلى الآن - بحسب العضو السابق في المفوضية العليا لحقوق الانسان، علي البياتي، الذي يشير إلى أن “الضغوط النفسية والاجتماعية، فضلًا عن الضغوط الاقتصادية، جميعها تدخل ضمن الأسباب الرئيسة لانتشار هذه الظاهرة في البلد”.

وينوّه البياتي في حديث صحفي، إلى أن “هناك العديد من حالات القتل تسجل لدى وزارة الداخلية والجهات الأخرى على أنها حالات انتحار”، موضحا أن “أعداد المنتحرين بالنسبة للنساء أكبر من الرجال، ما يثير الشكوك في إمكانية وجود عمليات قتل أو عنف أسري يدفع بالضحية نحو الانتحار”.

ويرى عضو المفوضية السابق، أن “الحكومة مطالبة بتشكيل لجان وإنشاء مراكز متخصصة، بهدف الحد من انتشار الظاهرة، فضلًا عن تقديم المساعدة النفسية للذين حاولوا أو يحاولون الانتحار”. 

أبرز طرق الانتحار

تعد ديالى من بين المحافظات الأكثر تسجيلًا لحالات الانتحار. إذ يقول مدير مفوضية حقوق الإنسان في المحافظة، صلاح مهدي، ان “عدد حالات الانتحار التي انتهت بالوفاة خلال العام الجاري في ديالى، بلغت 23 حالة، في حين تم إنقاذ 25 شخصًا في اللحظات الأخيرة”.

وعن محاولات الانتحار، يلفت في حديث صحفي إلى ان “الجهات المعنية غير قادرة على إجراء إحصاء دقيق لها في أغلب المحافظات. فهناك عائلات تتجنب الإبلاغ عن مثل هذه الأمور، فيما إذا ارتكبها أحد أفرادها”.

أما بالنسبة لأبرز طرق الانتحار في ديالى، فهي – بحسب مهدي - إطلاق النار والشنق بالنسبة للرجال، وتناول الأدوية والحرق بالنسبة للنساء، مبينا أن “65 في المائة من المنتحرين أعمارهم أقل من 35 عاماً”.

ويشير إلى أنّ “المثير في الأمر، هو أن 3 حالات انتحار و5 أخرى جرى إنقاذها في اللحظات الأخيرة، حصلت جميعها في ديالى، كان مرتكبوها طلبة دفعهم فشلهم الدراسي إلى اتخاذ هذا القرار”، مبينًا أنّ “الضغط النفسي والتنمر من قبل ذويهم، كانا وراء تلك الحالات”. 

العادات والتقاليد

إلى ذلك، ترى الباحثة الاجتماعية نادية محسن، أنّ الانتحار في العراق لا يعتبر ملفًا “لأن أكثر التبليغات عن حوادث الوفاة من هذا النوع، تكون مقرونة بأعذار لا تتفق مع الحقيقة، وذلك مراعاة للعادات والتقاليد”. وتتحدث الباحثة عن بحث دراسي حول أسباب ارتفاع حالات الانتحار في العراق، وجد أن “محافظتي المثنى والسليمانية تتصدران المشهد في هذا الجانب. في حين كانت أبرز الأسباب الأوضاع الاقتصادية، فضلاً عن التضييق الذي تتعرض له الفتيات على وجه التحديد”.

وفي ما يخص علاج المشكلة، ترى الباحثة في حديث صحفي، أن ذلك يتم من خلال برامج توعوية متخصصة يقدمها أشخاص لهم خبرة في هذا المجال، مطالبة الحكومة بـ “توفير بيئة صحية للأشخاص المحتاجين إلى العلاج النفسي”.