“عندما مات ابي لبسنا السواد الا حقلي الصغير فقد كساه البياض” بهذه الكلمات وصف لنا ابو محمد حال ارضه التي غزاها الملح عام 1987، بسبب موت والده في الحرب العراقية الايرانية.

يقول ابو محمد: “برغم مضي اكثر من 30 عاماً على وفاة والدي، الا اني ما زلت اتذكر كيف كان ابي يعتني بالارض التي كانت مصدر عيشنا الوحيد، حيث تحولت بعد سنة واحدة من وفاته الى ارض جرداء، وأحيل لونها الى الابيض بعد توزع آفة الملوحة في جميع انحائها، ما اضطرنا الى ترك قريتنا في ناحية نفر، والهجرة الى مدينة الديوانية بحثاً عن فرصة عمل اخرى”.

قصة ابو محمد هي واحدة من اسباب عديدة ادت الى تحول مساحات شاسعة من الاراضي الزراعية في حدود مدينة الديوانية الى ارض (سبخة) تعلوها الاملاح، حيث بدأت في الفترة الاخيرة تقضي على مساحات زراعية كبيرة بينما غابت الحلول الناجعة لهذه المعضلة الخطيرة.

المكتب الاعلامي للحزب الشيوعي العراقي في الديوانية، سلط الضوء على هذه المشكلة من خلال رصد اراء بعض المختصين بالشأن الزراعي والوقوف على مطالب عدد من الفلاحين.

محطتنا الاولى كانت مع استاذ علم التربة في جامعة القادسية نجاح عبد الجبار، الذي قال: إن الاستعراض التاريخي لمشكلة الملوحة والأراضي في أرض الرافدين يشير إلى أنها ليست بظاهرة وليدة اليوم، حيث تعد الزراعة الاروائية او ما يعرف بـ(السيح) في السهل الرسوبي منذ القدم، هي احد اهم الاسباب في انتشار الاملاح في الاراضي وخاصة مدينة الديوانية.

ويضيف عبد الجبار، ان أول إشارة لمشكلة الملوحة عثر عليها في جيرسو 2400 – 1700 ق م، وعدت هذه المرحلة المبكرة لانتشار الأراضي الملحية في وسط وجنوب العراق، وكان لها الأثر السلبي على الزراعة في هذا الجزء من العراق؛ فمثلا كان إنتاج القمح في المدة 2400 ق م قرابة 2537 لتر/ هكتار، ثم أخذت مساحته وإنتاجه بالتقلص، إذ أصبحت المساحة المزروعة بالقمح لا تشكل سوى 2 في المائة في 2100 ق م، كما هبط إنتاجه إلى 897 لتر/ هكتار في 1700 ق م، والمرحلة الثانية لانتشار الملوحة كان في المدة 900 – 300 ق م، حيث انتشرت الملوحة في أراضي وسط العراق، إلا أنها كانت أقل خطورة.

واشار الى ان للملوحة اسبابا عدة منها سطح الارض في السهل الرسوبي، والذي تقع الديوانية من ضمنه، فسهولة نفاذ الماء من خلاله وطول ساعات سطوع الشمس التي ترتفع معدلاتها خلال أشهر حزيران وتموز وآب بمعدل ( 11،6 – 12،3 – 11،2 ) ساعة / يوم، مما يؤدي الى ارتفاع درجات الحرارة، وبالتالي الى كثرة التبخر على الأرض وترسب الأملاح.

إعمار الأرض

واستدرك عبد الجبار بالقول: ان العامل البشري يعد من العوامل المؤثرة في مشكلة الملوحة ومنها قلة المبازل ورداءتها اذ تعد عملية البزل مكملة لعملية الري في المناطق الجافة وشبه الجافة لغرض التخلص من المياه الزائدة عن حاجة المحصول والتربة. وتفتقر الديوانية الى شبكة متكاملة من المبازل الحقلية والفرعية والرئيسة، ما يدفع المزارعين إلى تحويل المياه الزائدة إلى الأراضي المجاورة المتروكة والمنخفضة كالأراضي التي تصب فيها مبازل الرز، ومنها مبزل الشامية، ما ينجم عنه تجمع المياه المالحة على سطحها، فضلا عن ارتفاع نسبة الأملاح في نهر الفرات، نتيجة مروره خلال أراض مالحة، ما يجعل مياهه أكثر ملوحة، فضلا عن ذلك وفي كلا الأمرين تزداد ملوحة التربة، كما ان الإفراط في الري هو الاخر يكون سبباً في تكوّن الملوحة، إذ يعمد الفلاح الى ري حقله بكميات كبيرة، معتقداً أن ذلك يقلل من ملوحة التربة ومن ثم يزيد الإنتاج. ويعد الأمر منطقياً لو توفر نظام صرف متكامل لتصريف المياه الزائدة، كما يؤدي الإفراط في الري إلى إرباك عملية التقنين المائي للأراضي الزراعية وينتج عنه فقدان كميات كبيرة من مياه الري، والتي تعد من الثروات المهمة.

وأشار الى ان نظام الزراعة المتبع رديء نظرا لقلة تصريف مياه نهر الفرات صيفا قياسا بفصل الشتاء، فضلا عن انعدام هطول الأمطار ما يؤثر على المساحة المزروعة صيفا، وهذا يعني ترك مساحات واسعة من الأراضي المتروكة بورا، إذ أن هبوط معدلات تصريف المضخات ينجم عنه تقليص المساحات المستثمرة، واقتصارها في بعض المناطق على أكتاف الأنهار.

اسماء فقط

يقول السيد كطل (65 عاما) وهو فلاح يسكن على ضفاف نهر الجوعان، التابع لناحية نفر، التي تبعد 25 كم جنوب غرب مركز مدينة الديوانية: “نسكن هذه المنطقة منذ مئات السنين، وقد اطلقنا على اراضينا الزراعية منذ القدم اسماء عديدة منها (الناعور ، والقطن ، وابو قطين ، وام كفيشة) حيث كل منطقة كانت تشتهر بزراعة نوع من المحاصيل فالناعور كان مصدرا للمياه بواسطة عمل الخيول، اما (القطن) فقد اشتهر بزراعة  محصول القطن، و(ابو قطين) محصول (اليقطين)، اما ام (كفيشة) وذلك لكثافة الذرة الصفراء فيها، لكن اليوم لم يبق من هذه الاراضي سوى الاسم فقط.

ويرجع كطل السبب في خسارة هذه الأراضي الى عدم اكمال مشروع الاصلاح الزراعي، الذي توقف في بداية الثمانينات حيث لم يستكمل في مناطقنا، وتحول في ما بعد الى سببا رئيسا من المشكلة، وليس الحل.

وطالب كطل الجهات المعنية بالعمل على صب نهر الجوعان بالخرسانة لتقليل الضائعات المائية واستكمال شبكة شق المبازل في الأراضي التي توقف فيها الإصلاح بعد الحرب العراقية الإيرانية.

كاظم عبد الله (44 عاماً) يعمل شرطيا في حماية المنشآت، ويسكن هو الاخر منطقة العلكاية، يقول: “هجرت ارضي التي كنت ازرعها لكنها تحولت الى ارض جرداء والسبب هو انها لا تدر عليّ إيرادا ماليا يكفي لإعالة أسرتي أو سد تكاليف زراعتها، فبرغم الجهد الذي ابذله على عمليات الزراعة من حراثة وسماد وبذور نتفاجأ في كل موسم ان وارد الناتج من المحصول لا يسد قيمة المبالغ التي نصرفها على الأرض، ناهيك عن ان المحاصيل الزراعية المستوردة تنافس محاصيلنا المحلية، الامر الذي لا يدع مجالاً للمضي بزراعة ارضنا، لذا نطالب بوضع تسهيلات للزراعة المحلية التي بدأت تنحسر بسبب الاستيراد العشوائي وغير مدروس وارتفاع تكاليف عملية الانتاح محليا”. 

معالجات

اما المهندس الزراعي ضياء صالح فيحدد مجلة معالجات لظاهرة الملوحة، من بينها “إنشاء المبازل الحقلية من قبل المزارعين وربطها بالمبازل الثانوية والتي ترتبط بدورها بالمبزل الرئيسي”، كما شدد على ضرورة “العمل على تحسين خواص التربة من خلال الحراثة العميقة وإضافة الرمل والمواد العضوية لتخفيض كمية الأملاح والصوديوم المتبادل من التربة بواسطة عملية الغسل واستنباط محاصيل تتحمل الملوحة وتقاوم ظروف الجفاف”.

كما دعا صالح الى “إتباع طريقة ري ملائمة ومراعاة الاحتياجات المائية للمحاصيل الزراعية، وتجنب طريقة التبوير واعتماد الدورة الزراعية الثلاثية والرباعية بحسب درجة تملح التربة”.