أعلنت مديرية بيئة محافظة ذي قار، اخيراً، أنها سوف تقوم خلال الفترة القادمة بالإعلان عن الأهوار كمناطق منكوبة بسبب مشكلة الجفاف. ويأتي هذا الاعلان بعد سلسلة طويلة من التحذيرات التي أطلقها ناشطون ومختصون بالتزامن مع وصول الجفاف إلى مناطق الأهوار، لكن ذلك لم يلق استجابة فاعلة من قبل الجهات المعنية. وخلافا لما كان متوقعا، زاد الوضع سوءا برغم أن العراق أعلن تمكنه قبل ست سنوات من وضع أهواره على لائحة التراث العالمي، لكنه اليوم يحاول الصمود من اجل الحفاظ على ديمومتها، وتنفيذ الشروط الدولية التي حددت بهذا الشأن.

مناطق منكوبة؟

وتفوق مساحة الأهوار 40 ألف كيلومتر مربع، وتمتد بين حدود العراق وإيران، إلا أن الجزء الأكبر منها داخل العراق، وتشكل حواجز جغرافية على تخوم مدن جنوبية كالناصرية والعمارة والبصرة.

ولم تعد الاهوار كما عُرفت سابقا بجمال طبيعتها وغزارة مياهها وتنوعها البيئي. فهذه المسطحات المائية العملاقة بدأت بالانحسار شيئا فشيئا وهجرها مئات الآلاف من سكانها.

وأكدت مديرية بيئة محافظة ذي قار، تحركها لإعلان الأهوار (مناطق منكوبة) بسبب مشكلة الجفاف.

وقال مدير بيئة ذي قار، كريم هادي محمد، إن «مساحات كبيرة في مناطق الأهوار تعرضت للجفاف نتيجة انخفاض مناسيب المياه في نهري دجلة والفرات اللذين يعتبران مصدراً رئيساً لتغذية مناطق الاهوار ما أثر بشكل كبير على الواقع الاقتصادي والاجتماعي لسكان مناطق الأهوار».

وأضاف، أن «سكان هذه المناطق يعتمدون في معيشتهم على صيد الاسماك وتربية الجاموس وهذه الحيوانات مرتبطة بوفرة من المياه، لذلك فإن قلة المياه والجفاف ستؤدي الى نفوقها مع الارتفاع الكبير في درجات الحرارة»، مبينا أنه «من خلال جولات كوادرنا البيئية في مناطق الاهوار قمنا بإعداد تقارير الى وزارة البيئة والجهات المعنية في المحافظة حول ما تتعرض له مناطق الاهوار من تدهور بيئي، وقبل اسبوعين عقد اجتماع طارئ للجنة الاهوار والاثار في محافظة ذي قار وبالاشتراك مع الجهات المعنية لمناقشة الواقع البيئي والاجتماعي فيها».

وبيّن أنه «سيتم اعلان مناطق الاهوار مناطق منكوبة قريباً لما تتعرض له من كوارث بيئية، لذلك نوصي بضرورة زيادة الاطلاقات المائية حفاظاً على مناطق الاهوار التي تلاقي اهتماماً عالمياً بعد ادراجها ضمن لائحة التراث العالمي».

سوء إدارة واضح

من جانبه، أفاد الناشط في محافظة ذي قار، أكرم الركابي، بأن سوء إدارة الموارد المائية أوصل الأهوار إلى هذا الحال المأساوي.

وقال الركابي لـ»طريق الشعب»، إن «الحكومة منذ سنوات طويلة عجزت عن إدارة ملف الموارد المائية والتعامل بطريقة جادة مع دول منابع وروافد نهري دجلة والفرات»، مضيفا «كان موقف العراق ضعيفا ولا يؤخذ به نتيجة الهشاشة الداخلية وعدم توجه النظام السياسي إلى حسم مثل هكذا قضايا كبيرة ومهمة، فلم يحصل العراق على الكميات المائية المخصصة له كاملة، كما أن هناك هدرا في ما يحصل عليه من مياه وسوءا في توزيعها».

وأكد المتحدث أن «معظم المشاريع الممولة من الدولة تنتهي بسبب الفساد، ما يجعل منها مشاريع وهمية. وإن أهالي الأهوار لا يتم إشراكهم بشكل إيجابي في إدارة المشاريع الخاصة بمناطقهم وتلبية احتياجاتهم»، مشيرا إلى أن «المحافظة كانت غنية جدا بأهوارها التي توفر مصدر رزق لعائلات كثيرة جدا، لكن الان الحياة بدأت تموت فيها ونوعية المياه المتبقية لا تساعد على عيش الحيوانات والأسماك ونمو الأعشاب والمزروعات».

عوائل مهددة

وفي الأثناء، حذرت منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة «الفاو»، من كارثة وشيكة تستهدف 6 الاف اسرة ريفية في الاهوار التي تشهد انخفاضا كبيرا في المياه، الامر الذي سيدفع هؤلاء السكان لمغادرة اراضيهم التي استوطنوها منذ عقود طويلة، إلى الابد.

المنظمة التي جددت التزامها بـ»دعم المجتمعات المحلية وخاصة منتجي الجاموس في الأهوار العراقية»، كشفت عن وضع مأساوي يحيق بالمجتمعات الريفية المحلية التي شهدت تدهوراً حاداً، وخاصة مربي الجواميس الذين يعانون من انخفاض مستويات المياه غير المسبوقة في المناطق التي تهدد سبل عيشهم ووجودهم المجتمعي».

وأصبحت الأهوار واحدة من أفقر المناطق وأكثرها تضررا من تغير المناخ ونقص المياه، ما تسبب في آثار كارثية على سبل العيش لأكثر من 6000 أسرة ريفية، إذ أنهم فقدوا جواميسهم، وهي أصولهم الحية الفريدة، وفقاً لـ»فاو».

وبحسب المنظمة الدولية «يتزايد عدد مربي الجواميس الذين يغادرون هذه المناطق التي تتعرض لظروف بيئية معادية لهم ولحيواناتهم للعيش فيها، وقد نزح البعض لمناطق ومحافظات قريبة مثل الكوت والسماوة والنجف وكربلاء والشطرة حيث تتوفر المياه لهم ولحيواناتهم، فيما باع بعض مربي الجواميس حيواناتهم بأسعار منخفضة لشراء الأعلاف للحيوانات التي تم إنقاذها. وتحول آخرون إلى فرص أخرى لكسب الرزق لأنهم فقدوا أصولهم المعيشية، أي الجواميس التي تموت بشكل متزايد لأنها تعلق في طين المستنقعات عندما تحاول السباحة أو الوصول إلى قصب الرعي، بالإضافة إلى انخفاض إنتاج حليب الجاموس وانخفاض أسعار بيعهم وتدهور حالتهم الصحية بسبب نقص الغذاء في الأهوار».

ودعت المنظمة إلى «دعم عاجل ومتسق لمربي الجواميس، مثل توفير المياه وخزانات المياه والأعلاف والديزل للقوارب في الأهوار»، مؤكدة أنه «من دون تدخل سريع من الجهات الوطنية والدولية، سيتعين على المزارعين الذين عاشوا هناك لأجيال التخلي عن أراضيهم إلى الأبد»، فيما حثت على «تنفيذ استراتيجية متوسطة وطويلة المدى مع أنشطة مستدامة تظهر احتمالات جيدة لتقديم الإغاثة للمناطق ومربي الجواميس المتضررين حتى يتمكنوا من الاستمرار في العيش في هذه المناطق».

وطالبت بـ“تخصيص المزيد من الموارد  المالية من المانحين والمجتمع الدولي لمساعدة المجتمعات الضعيفة التي تأثرت بشدة من نقص مستوى  المياه وتغير المناخ في الأهوار العراقية ولمزيد من التعاون مع الحكومة العراقية والشركاء المحليين للحد من تأثير الأزمة”.