شهد العراق خلال الشهرين الماضيين هبوب عواصف ترابية بشكل غير مسبوق، جرّاء التغير المناخي والتصحر وقلة تساقط الأمطار. وأدّت العواصف إلى وفاة أكثر من 10 مواطنين وإصابة نحو 10 آلاف آخرين بحالات اختناق، عدا الخسائر المادية وتعطل حركة الملاحة الجوية في مطارات البلاد.

ويحمّل خبراء في البيئة الحكومات المتعاقبة جزءاً كبيراً من مسؤولية هذا الواقع، لعدم درئها عمليات جرف الغطاء الأخضر، وسوء إدارتها أزمة المياه التي تسببت في موجة جفاف حادة. كما يتحدثون عن ضعف الخبرات في التعامل مع تحديات التغير المناخي.

الحكومة لا تبالي

على الرغم من أن العواصف الترابية تضرب دولاً عدة في المنطقة، وتحدث أضراراً مماثلة لما في العراق، يعتقد عراقيين كثيرون أن الجهات الحكومية كان يمكنها التقليل من تأثير العواصف، ويتهمونها بالإهمال والتواطؤ وعدم المبالاة.

يقول الخبير البيئي فائز العبيدي ان عدد العواصف الترابية سيبقى يتصاعد في ظل الجفاف وشح الأمطار، موضحا أن “هذه العواصف تتشكل من مرور الرياح في مناطق صحراوية، وتحريكها التربة بتأثير عدم وجود غطاء نباتي، ما يحمل الغبار من هذه المناطق إلى أخرى”.

ويلفت في حديث صحفي إلى أنّ “العواصف الترابية ليست جديدة، لكنها كانت أقل تأثيراً. وقد زادت نسبة ما تحمله من أتربة في الأعوام الأخيرة، نتيجة تهيّج التربة في الصحاري والمناطق القروية وأماكن الرعي”.

ويؤكد العبيدي أن “أبرز أسباب الظاهرة يتمثل في الاعتداء على الغطاء النباتي وتعمّد تدمير البيئة، والذي نتج أيضاً عن الحملات العسكرية التي استدعت جرف آلاف الدونمات من البساتين والأراضي الزراعية في مناطق عدة، خصوصاً في محيط بغداد من أجل ملاحقة الإرهاب، ما حوّلها إلى أراضٍ قاحلة. كما هجر مزارعون أراضيهم نتيجة شح المياه وغياب الدعم. وهذه كلها نتائج بشرية تتحملها الجهات الحكومية”.

مساهمات للحد من الكارثة

وفيما تتعدد الأسباب البيئية الطبيعية لهذه الكارثة المميتة، يعتقد مواطنون واختصاصيون بأنّ الحكومات المتعاقبة جلبت القسم الأكبر من الأضرار على صعيد العواصف الترابية “بسبب الإهمال الكبير وعدم استغلال المياه والشمس والهواء والتربة بشكل مثالي” – بحسب عضو رابطة المهندسين الزراعيين في محافظة الأنبار، جاسم الدليمي، الذي يرى أنه “يمكن أن تساهم دراسات وبحوث عدة قدمها مهندسون وخبراء في الزراعة والمياه والبيئة والجيولوجيا إلى الجهات الحكومية، في تخفيف أضرار العواصف الترابية”.

ويتابع في حديث صحفي قوله، أن “تلك الدراسات قد تساعد في تقليل الغبار بنسب عالية، وفي زيادة إنتاج المحاصيل الزراعية وتوفير الطاقة الكهربائية، واستحداث فرص عمل للعاطلين، وتعزيز استغلال الطاقة البديلة عبر الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، فضلا عن إنشاء منظومات للريّ الحديث تمهيداً لزراعة ربع المناطق الصحراوية في البلاد اعتمادا على كميات قليلة جداً من المياه، سواء من مصادر جوفية أم من سدود لتخزين مياه الأمطار”.

ويشير الدليمي أيضا إلى أنه “تم طرح دراسات لتعزيز هطول الأمطار، بما يساعد في استصلاح أراض وزراعتها، وإعادة الغطاء النباتي”.

خسائر كبيرة

وحول الخسائر التي يتكبدها العراق بسبب العواصف الترابية، يقول الخبير الاقتصادي محمد الحسني انّها “كبيرة للغاية، بينها توقف حركة الملاحة في المطارات والموانئ، وتعطل أعمال المواطنين وحركة السير والأسواق والدوائر الحكومية، ما يلحق خسائر بملايين الدولارات بالبلاد والقطاعين العام والخاص”.