تتوجه الحكومة الحالية وفق منهاجها المعلن إلى إعداد موازنة لتحقيق الأهداف الاقتصادية والاجتماعية وبضمنها معالجة الفقر التي غابت عنها موازنة 2022 والتي لم يتسن إعدادها بسبب الصراعات السياسية المتفاقمة بين القوى الجامحة للسلطة لما يخدم مصالحها، فقد اعتادت الحكومات السابقة على تصميم الموازنات السنوية العامة بوصفها خططا سنوية قصيرة الأجل مهمتها الاسهام التجزيئي للخطط الخمسية التنموية التي وصلت إلى ثلاث خطط وتتوجه وزارة التخطيط لإعداد الخطة الخمسية الرابعة.

  ومن المعروف أن قيمة الموازنات لغاية عام 2021 قد بلغت 1340 مليار دولار لكنها تبددت بين هدر وسرقة المال العام وسوء التوزيع فقسمت المجتمع من جراء السياسات الخرقاء بين فقراء وأغنياء وأعباء مديونية بين قديمة وحديثة بلغت نسبتها 30 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي لغاية عام 2019.

  ومن مراجعة موازنة 2021 يتبين أن اجمالي النفقات العامة بلغت 89،7 مليار دولار وفق سعر الصرف الجديد فيما كانت اجمالي الإيرادات 69،9 مليار دولار وكان قيمة العجز 19،8 مليار دولار مقابل 23 مليار في موازنة 2019 وان قيمة الاستثمارات في الموازنة    19.6مليار دولار وكان سعر البرميل الذي حدد في تلك الموازنة 45 دولار. فماذا عدا مما بدا، فقد بينت وزارة المالية في الثامن من تشرين الثاني أن النفط مازال يشكل 96 في المائة من ايرادات الموازنات الاتحادية العامة وان اجمالي الإيرادات النفطية حثى شهر أيلول من هذا العام  اكثر من 122 تريليونا فيما بلغت نسبة الإيرادات غير النفطية 4 في المائة، يقابل ذلك ان حجم الفساد خلال فترة الموازنات المشار اليها بلغ ضعفي الناتج المحلي الإجمالي ويقدر ب 500 مليار دولار وان هناك 755 مشروعا لم تتجاوز نسبة الإنجاز فيها 20 في المائة وعدد المشاريع المتلكئة 359 وعدد المشاريع المتوقفة 182 وهذه جميعها مدرجة في الخطط منذ عام 2013، كما ان التكلفة الكلية للمشاريع 229 ترليون دينار. أما الأموال المنفقة عليها فقد بلغت 94 تريليون دينار، اما نسبة الفقر في نهاية عام 2018 فبلغت 22,5 في المائة ارتفعت في النصف الأول من عام 2019 إلى 34 في المائة حسب بيانات وزارة العمل الشؤون الاجتماعية. في مقابل هذه الأرقام تخبرنا وزارة التخطيط في 8 تشرين الثاني عام 2022 أن نسبة الفقر في العراق تقدر بين 23 إلى 25 في المائة تقريبا وان الوزارة بدأت الاستعدادات لإعداد الخطة الاستراتيجية الجديدة لخفض الفقر.  ومما هو جدير بالملاحظة أن الموازنات السنوية تواجه تحديات كبيرة  تجد تعبيرها في  انها تعتمد بالنسبة الأعظم من مواردها على الريع النفطي وتعتمد بنسبة 4 في المائة على المصادر الأخرى وهذا تأكيد على إهمال القطاعات الاقتصادية غير النفطية ذات الأهمية في الاسهام في الناتج المحلي الإجمالي بالإضافة إلى قلة اعتمادها على الإيرادات الضريبية على المستوى الوطني التي غالبا ما تتعرض ليس إلى الفساد كما برز في سرقة القرن خلال أقل من سنة بلغت 2،5 مليار دولار وانما أيضا  في التهرب الضريبي، فضلا عن ذلك فان الموازنات السنوية قد واجهت في كافة مراحلها منذ عام 2003 ضعفا كبيرا في عنصر المراقبة لضبط الانحرافات المالية التي تلعب دورا كبيرا في ترشيد الانفاق الذي يتطلب تدعيم الشفافية في العمليات المالية في نطاق تنفيذ الموازنات الذي  يحرر الدولة من أعباء مالية كبيرة لا  قبل لها في معالجتها دون تشديد الرقابة على الانفاق.

إن الحكومة وهي تتوجه لأعداد الموازنة الاتحادية المقبلة مطالبة بالتأكيد على معالجة التحديات التي واجهتها في الموازنات السابقة وفي المقدمة منها تخليصها من العجز الذي ترتبه المبالغة في الانفاق التشغيلي والانتقال من موازنات البنود إلى موازنات البرامج والاستفادة من الوفرة المالية في زيادة الانفاق الاستثماري والتخفيف من نسبة الفقر عبر نظام توزيعي عادل للثروة وتقليص البطالة إلى حدها الأدنى، والأهم من كل ذلك ربط الموازنة بالحسابات الختامية لمراقبة كفاءة الأداء وتحديد أوجه الصرف وحجم الفساد.

عرض مقالات: