ما أطلق عليها سرقة القرن الستار عن ابطالها دون ظهور عرابها الحقيقي والتي لم تكن بداية جرائم الفساد في العراق ولن تكون نهايتها، وان دلت هذه الجريمة على شيء فإنها تدل على هشاشة النظام المالي والنظام النقدي في العراق وضعف الأدوار التي تؤديها المصارف الحكومية على وجه الخصوص في الحفاظ على المال العام بسبب اخفاق الأجهزة الرقابية في تسليط الأضواء على كيفية جريان العمليات النقدية وضبط ايقاعها.

في الواقع أن هشاشة النظام المصرفي لها جذور تمتد إلى ما قبل عام 2003 عكست دورها السلبي على شكل وجوهر الاقتصاد الكلي، ولهذا السبب توجهت وزارة المالية  والبنك المركزي إلى البنك الدولي لإجراء كشف كامل على الأوضاع المالية والنقدية في العراق وحصيلة ذلك اصدار البنك الدولي تقريره المتضمن توصيات واستنتاجات ورؤيته بشان هذه الأوضاع المتدهورة .غير أن أهمية هذا التقرير لا تكمن فقط في جوانبه التحليلية سواء المتعلقة بالقطاع المصرفي الحكومي او الأهلي ولا في التحديات التي تواجه التطورات  الإيجابية في السياسات المالية او النقدية وانما في بلورة الحلول المجدية في الخروج من الازمات ووضع البلاد على سكة التقدم المنشود  . ويمكن القول إن الإجراءات والحلول الواردة في تقرير البنك الدولي لم تحقق الإصلاح المنشود فإن سوق المال ما زالت تواجه مخاطر حقيقية تتمثل بتزايد سوق مالي مواز يقوم بعمليات المضاربة تمارسها بعض المصارف الأهلية التي تقف وراءها مافيات شرسة تتلاعب بسعر الصرف وتمارس المبادلات النقدية خارج سوق المال الشرعية.

إن ضعف الهيكل المالي والمصرفي ينعكس بقوة على الهيكل الاقتصادي  وتتجلى مظاهره في باختلال هذا الهيكل، اذ من غير الممكن مواجهته بسياسات تجزيئية تعكس وجهات نظر القائمين عل صياغتها، بل من خلال سياسات اقتصادية شاملة تتسم بالترابط في الأجل القصير ووحدة الهدف في الأجل الطويل بما تسهم في تنويع مصادر توليد الناتج المحلي الإجمالي من أجل إيقاف التراجع في الاقتصاد الكلي عبر تحقيق معدلات نمو غير مسبوق،  وهذا لا يتم الا من خلال تحقيق إصلاحات هيكلية في القطاع المصرفي ورفع معدلات مساهمتها في الناتج المحلي الإجمالي أسوة بدول الخليج، ففي السعودية مثلا يصل معدل مساهمة المصارف 12 في المائة والامارات 7،13 في المائة ومصر 15 في المائة  وتتجسد هذه الإصلاحات في تحديث أنظمة المدفوعات وادخال الآلات في العمل المصرفي واعتماد أساليب الرقابة والافصاح المالي والمحاسبي وتسهيل نظام المدفوعات ومعالجة البطالة المقنعة والقضاء التام على الفساد المالي والاداري وتفعيل الاشراف المصرفي والممارسات الإشراقية ورفع نسب الإنجاز  .

إن المؤسسات المصرفية ولأجل تحقيق أهدافها لابد من تحسين كفاءة الاداء المالي وتحقيق الاستقرار الاقتصادي وتشمل الجهاز المصرفي والبنك المركزي والجهاز الرقابي للسوق المالي وكل ذلك يتطلب منح البنك المركزي دورا ليس على أساس وسائله ووظائفه التقليدية وانما وهو المهم دوره في عملية التنمية الاقتصادية وزيادة مساهمته في الإنتاج المحلي الإجمالي التي ما تزال دون مستوى الطموح، ويمكن التأكيد أن تجليات هذا الدور تتلخص في الإجراءات التالية:

1. التمويل المباشر لعملية التنمية من خلال القروض التي يمكن ان يقدمها إلى المؤسسات المختلفة التي تقوم بعملية التنمية وخصوصا تلك المختصة بالبنية التحتية مثل مرافق البلديات والكهرباء وغيرها.

2. التمويل غير المباشر لعمليات التنمية عن طريق تقديم قروض إلى المؤسسات المتخصصة في التمويل قصيرة الاجل كالمصارف الزراعية والعقارية.

3. العمل على إقامة الهيكل المالي الأساسي لتلك العملية وذلك من خلال خلق سوق نقدية ومالية منتظمة ومتطورة وفق الخطوات المشار اليها والعمل على نشر الوعي المصرفي ليشمل أكبر رقعة جغرافية.

4. ممارسة الرقابة الفعالة على التعاملات النقدية على كامل الجهاز المصرفي والسعي لتوفير المعلومات والبيانات الضرورية حول المتغيرات الاقتصادية مما يتطلب ادخال التكنولوجية المتطورة التي تنتشر على شبكة تغطي كافة المصارف الحكومية والأهلية على حد سواء وتأمينها من مخاطر التلاعب في العمليات النقدية والحفاظ على المال العام.

عرض مقالات: