تشكل الصناعة في العراق وخاصة الصناعة التحويلية، كما نطمح، الدعامة الأساسية لتطوير الاقتصاد الكلي من حيث المدخلات والمخرجات وتكوين الناتج المحلي الإجمالي واستيعاب العمالة المكثفة وتخليصه من الاعتماد على الريع النفطي الذي كان السبب من بين أمور أخرى في خلق بؤر فاسدة عبر كل الحكومات المتعاقبة بعد عام 2003 بسبب شكل النظام على أساس المحاصصة الطائفية الاثنية الذي اسسته القوى التي رافقت الاحتلال الذي وضع ركائزه وما تبع ذلك من توسيع حجم البطالة بين الشباب وفتح السوق على مصاريعها للاستيراد الخارجي وتدمير الصناعات المحلية المتبقية.

والغريب انه في خلال الفترة الماضية ان القطاع الصناعي كان يعاني من العديد من المظاهر المؤلمة تتمثل في سوء الإدارة وضعف كفاءتها بسبب اختيار العناصر التي تندرج في نظام المحاصصة، والعمالة الفائضة وانخفاض الإنتاجية وعدم مواكبة الإنتاج مع متطلبات السوق وتدهور الأوضاع المالية والإدارية واهمال الصناعات المرتبطة بالنفط  كالصناعات البتروكيمياوية والفوسفاتية واهمال صناعة الحديد والصلب التي كانت تمد السوق المحلية بالمنتجات المطلوبة وخاصة ما تدخل في قطاع البناء والتشييد والتباطؤ في انشاء المدن الصناعية التي جرى التوجه لها قبل اكثر من 15 عاما التي يمكن ادماجها على المدى المتوسط والبعيد مع سلاسل التوريد العالمية وقيمها، بالرغم من عشرات الوفود التي تشكلت في لجنة مشتركة من معظم الوزارات الى العديد من دول العالم للاستفادة من تجاربها.

ان التخلف في هذا القطاع لم يتكون من تلقاء نفسه وانما بسبب معوقات كثيرة بعضها يتعلق بالسياسة الاقتصادية والرؤى التي تبنتها الحكومات المتعاقبة وغياب الحوكمة وأسباب مالية تتعلق بالنقص الكبير في راس المال الضروري للاستثمار نتيجة لكساد القطاع الصناعي المصاحب لتزايد كلف الإنتاج وبالأخص ارتفاع أسعار الوقود وقلة الايدي العاملة الماهرة المهاجرة الى الخارج. وأسباب تقنية تتعلق بتوقف معظم خطوط الإنتاج التي تهالكت بسبب قدمها وتقادم للتقنيات المحركة لأدوات الإنتاج وفوق كل ذلك تدمير البنى التحتية كالماء والكهرباء وطرق المواصلات ومن الضروري التذكير بما تعرضت له المعامل الصناعية من التخريب وسرقة محتوياتها التي تمت خلال الاحتلال مباشرة دون ان يضع المحتلون في حساباتهم تداعيات الوضع الأمني الذي يترتب على حل الأجهزة الأمنية الوطنية واتساع نطاق الفوضى.

ويمكن القول بدون مواربة ان تدهور القطاع الصناعي يأتي عبر سلسلة من الإخفاقات، لعل ابرز سماته التباين في القطاع الصناعي العام والخاص والمختلط وهذا التباين يعود الى طبيعة فلسفة الدولة والنظر الى شكل الاستثمار وعوامل تنشيطه المالية والتشريعية وعوامل الاستقرار الأمني التي يبحث عنها راس المال الذي يعاني بطبيعته من يوتوبيا اضطراب الاستقرار الأمني والاقتصادي، فضلا عن ضعف السوق الذي يوفر البيئة المناسبة لتقبل سياسة اغراق الاسواق بالبضائع الأجنبية المنافسة للمنتوج الوطني الذي يؤدي الى توافر ابرز عقبات التطور الصناعي واستقرار السوق وتطور عمليات الإنتاج المحلي التي تعرضت خلال الفترة الماضية الى ابشع مظاهر الإحباط.

   ان عملية استنهاض القطاع الصناعي في العراق ليست هبة من السماء وليست رغبة الحكام او نزواتهم وانما هي عملية مركبة تتطلب توافر شروط سياسية عقلانية ومالية واستقرار الأسواق ورؤى استراتيجية بعيدة المدي مقترحين الحلول الاتية:

1. تطوير الصناعات المرتبطة بالنفط وفي مقدمتها صناعة البتروكيمياويات التي تدخل كمدخلات في صناعات مهمة مثل الأسمدة الكيمياوية والصناعات الكهربائية، فضلا عن تقوية البنية التحتية كالاتصالات وتكنولوجية المعلومات ووسائل النقل واللوجستيات واعتماد معايير الجودة وانشاء مراكز لتنمية الاعمال.

2. تنشيط دور المصارف الحكومية والأهلية في توفير القروض الميسرة وحماية الإنتاج الوطني من خلال الحد من الاستيراد الخارجي وفرض ضرائب على البضائع المستوردة المنافسة للبضائع المنتجة محليا واجبار المؤسسات الحكومية على التعامل مع المنتج المحلي.

3. توفير المنتجات الطاقوية الكافية لانجاح المشاريع الصناعية مثل المنتجات النفطية والكهرباء واستمرار تدفقها والانتقال التدريجي لإدخال التكنولوجيا المتطورة، فضلا عن ربط التعليم بمختلف مراحله بما فيه المهني والجامعي بالتكنولوجية التقنية.

عرض مقالات: