إذا أخذنا باستنتاجات بعض الدراسات والأبحاث الاقتصادية التي تتوصل اليها المؤسسات المالية الدولية والمعاهد البحثية بأن الريوع النفطية نعمة للدول المنتجة للطاقة وأنها عصب الاقتصاد وتتوقف عند هذا الحد، فإنها عن قصد أو غير قصد تكون قد نصبت فخاخا قاتلة لتلك الدول كونها تتحدث عن أرقام توهم الحاكمين في تلك الدول بتقديم إنجازات على الورق لم يذق الشعب شيئا من هذه النعمة، وخير دليل على ذلك ما تحدثت تقارير البنك الدولي بأن العراق حقق أعلى معدلات التنمية يصل إلى 9 في المائة.

ويبدو أن البنك الدولي قد وضع العراق في التسلسلات التي تتقدم على الكثير من الدول المعروفة بمعدلات التنمية العالية  كالصين مثلا  التي وصلت  معدلات التنمية إلى أكثر من 10 في المائة وانها تتمتع بتنوع قطاعاتها الاقتصادية وقد انخفضت حاليا إلى 6 في المائة او يقل بالنظر لتحرك هذه المعدلات في الوضع العالمي الراهن، لكن الحقيقة التي يعرفها العراقيون قبل غيرهم أن تلك المعدلات التي تنشرها تقارير البنك الدولي تقتصر على قطاع البترول لعام 2021-2022، أما بقية القطاعات الاقتصادية فتقع في مصيدة الركود وتعاني من ظاهرة التضخم الركودي فإن  معدلات التنمية في الصناعة والزراعة على سبيل المثال  لا تزيد في أحسن الأحوال عن اثنين في المائة وعن 5 في المائة في مساهمتها في الإنتاج المحلي الإجمالي.

إن تجربة العراق بعد عام 2003 لا تدعو للتفاؤل لأن السياسات الحكومية طيلة هذه الفترة ما تزال معلقة بأهداب الريع النفطي، وأكثر من ذلك فان اختلافها مع حكومة الإقليم ما تزال على اشدها خلافا لنصوص الدستور الذي حددها بعبارات لا تقبل التأويل، وان الموارد المالية لا تذهب إلى عمليات التنمية الاقتصادية الشاملة وانما تتسرب إلى دهليز الفاسدين البيروقراطيين وزبائنهم، حيث ان الموازنات التشغيلية السنوية التي تزيد عن 70 في المائة تذهب إلى الجهاز الحكومي المتضخم بالبطالة المقنعة وتغذي الفساد والمافيات العائلية،  ورغم ان الموازنات السنوية بلغت 1340 مليار دولار اكثر من 94 في المائة يمول من ايرادات النفط لكن العراق ما يزال مدينا بأكثر من 134 مليار دولار كديون داخلية وخارجية، 

ومن الأهمية بمكان الإشارة  أن العراق  وهو دولة شديدة الريعية يتأثر بالأزمات والدورات الاقتصادية الخارجية كون البترول وهو مصدر ماليته من السلع العالمية التي تتأثر بعوامل وظروف لا يمكن السيطرة عليها محليا ما تنعكس آثارها على معدلات النمو في الناتج   المحلي الإجمالي وغياب العدالة الاجتماعية وشيوع البطالة والفقر،  ومن تداعياتها المؤذية جدا ظهور ما تعارف عليه الاقتصاديون أسواق المال الموازية التي يتعاظم نفوذها في الاقتصاد وبالتالي ظهور طبقات اجتماعية طفيلية غريبة عن الإنتاج الفعلي وتمارس أنشطتها في السوق الموازي والضغط على قطاعات الإنتاج الحقيقي وتسبب لها الانكماش   ونتائجه  في  تعاظم الضريبة التضخمية سبيلا لتمويل العجز المستدام وبدون اتباع سياسة تقشفية مخططة عبر التعامل مع سعر الصرف لمعالجة تمويل الموازنات السنوية او اللجوء إلى الاقتراض الداخلي والخارجي.

مما تقدم فان أية حكومة جديدة تتمتع بالمصداقية والدعم الشعبي مطالبة بمراجعة سياساتها الاقتصادية باستمرار بوجهة تحقيق التوازن بين قطاعات الاقتصاد وبمغادرة وحدانية الاقتصاد. ونرى في هذا المجال ما يلي:

1. السعي الجاد من أجل انشاء صندوق سيادي حكومي يتمتع بالاستقلالية يتولى استثمار الموارد النفطية باتجاهين الأول إعمار القاعدة التحتية الاقتصادية المتداعية عبر تنشيط القطاعات الاقتصادية غير النفطية، والثاني تأمين مستقبل الأجيال القادمة في مواجهة أزمات الطاقة كما يحصل حاليا.

2. تفعيل المادة 106 من الدستور عبر انشاء هيئة عامة لمراقبة تخصيص الواردات النفطية وتوزيعها بين المحافظات والأقاليم بصورة عادلة وابعادها عن دهاليز الفساد ومنظوماته.

3. إن أية إجراءات لا قيمة لها مع وجود منظومات فساد تهيمن على مرافق الاقتصاد ومدعومة بمجاميع مسلحة مهددة للأفق الوطني وتسمح بالتالي لدول الجوار للتدخل مهددة السيادة الوطنية بحجة الدفاع عن أمنها القومي.

عرض مقالات: