أمست إشكالية الاستثمار في الاقتصاد العراقي أطروحة كثيرة التكرار في الأروقة الحكومية وفي وسائل الاعلام وغالبا ما يجري اجترارها مع كل ازمة اقتصادية او غياب المنجز الاقتصادي للحكومات العراقية المتعاقبة التي تعلقها دائما اما على الإرهاب او الازمات العالمية، وغالبا ما ترتبط هذه الازمات بأزمة الريع النفطي الناتجة عن انخفاض أسعار البترول ومع تدوير هذه الازمات تعيد دوائر صنع القرار في بلادنا الحديث عن ضرورة اصلاح الوضع الاقتصادي.

لقد كانت أولى بوادر الاهتمام بالاستثمار، صدور قانون الاستثمار رقم 13 لعام 2006 والذي استهدف تشكيل الهيئة الوطنية للاستثمار وفروعها وتنشيط الاستثمارات المحلية  واجتذاب الاستثمارات الأجنبية مع ادراك ان الجزء الأكبر من أصحاب رؤوس الأموال هاجروا إلى دول المنطقة وخاصة الأردن  ومصر وفي الأردن احتلت المراكز الأولى في قطاعي  الزراعة والعقارات، بالاستفادة من الإجراءات التشريعية التي اتخذها الحاكم الإداري الأمريكي بالسماح لحرية حركة رؤوس الأموال والبضائع المعفاة من الرسوم الكمركية، غير ان هذا القانون الذي تضمن العديد من الإيجابيات لم يفلح في تحقيق أهدافه في قطاع الإنتاج لتوافر جملة من المعوقات التي لم يتحسبها القانون  وتحولت فيما بعد إلى كوابح حقيقية لتعطيله وفي المقدمة منها الفشل في استعادة الاستثمارات الهاربة بالإضافة إلى الازدواجية في وحدات الاستثمار بين الهيئة الوطنية للاستثمار  واقسام الاستثمار في الوزارات الحكومية، مع ما صاحبها من رؤى وتصورات متناقضة في التخطيط والإجراءات واهم نتائجها الفشل في تخصيص الأراضي العائدة للوزارات  لأغراض الاستثمار الأجنبي زد على ذلك ضعف هيبة الدولة في القيام بواجباتها في تدعيم عمليات الاستثمار بسبب أحزاب  الفساد وميليشياتها  التي  كانت اسرع من الدولة في الهيمنة على الأراضي  ودورها في عمليات الابتزاز بدون رقيب او حسيب مما أدى إلى تحولها إلى دولة موازية  كابحة للاستثمار.

إن الحديث عن الاستثمار لا يعني انكفاء الدولة عن دورها المباشر في الاستثمار  ففي بلادنا  ولعوامل تاريخية ولطبيعة الاقتصاد المختل  يكون للدولة الدور الأكبر في عمليات الاستثمار المباشر بسبب ضعف إمكانيات القطاع الخاص وغياب العوامل الجاذبة للاستثمار الأجنبي، ولكون الدولة بما تتوافر لديها الموارد المالية تعتبر الأكثر قدرة في ممارسة عمليات الاستثمار، فقد بلغ مجموع مبالغ الموازنات السنوية 1340 مليار دولار للفترة 2003—2019، واذا  فترضنا ان التخصيصات الرأسمالية تشكل 25 في المائة من مجموع الانفاق العام فان اجمالي التوظيفات في قطاع الاستثمار يصل إلى 335 مليار دولار خلال الفترة المذكورة، لكن المنجز اكثر من 6 آلاف مشروع معطل يصاحب ذلك تعطل المصانع الحكومية الموضوعة على قائمة الخصخصة مع 13 مليون عراقي تحت خط الفقر.

ان الهيئة الوطنية للاستثمار قد عرضت من خلال مؤتمر الكويت المنعقد في 14—15 شباط عام 2018 عشرة قطاعات استراتيجية للاستثمار تحتوي على 203 فرصة عمل انطلاقا من طبيعة البيئة الاستثمارية المتمثلة بالتنوع في طبيعة القطاعات والمشاريع التي تكون جاذبة ومغرية لرؤوس الأموال الأجنبية كالسياحة الدينية وقطاع العقارات والبنى التحتية المتهالكة والتي تتطلب إعادة اعمارها وقطاع السياحة وقطاعي الصناعة والزراعة.

فالدولة اذا ما توافرت لديها الإرادة الحرة في تنشيط حركة الاستثمار فإنها مطالبة قبل أي شيء تهيئة البيئة المناسبة للاستثمار خالية من المعوقات ونقترح لذلك:

1. إعادة النظر في التشريعات واللوائح القانونية المتعلقة بتخصيص الأراضي للأغراض الاستثمارية وإجراءات الإقامة وسمات الدخول وتسجيل الشركات وإعادة النظر بقانون الاستثمار بما يخلصه من كل اشكال الروتين والبيروقراطية المشجعة على الابتزاز ومن الميلشيات وأحزاب الفساد من التدخل في عمليات الاستثمار.

2. السيطرة التامة على المنافذ الحدودية ودوائر الضريبة والكمارك وشفافية العمل وتسهيل الإجراءات من خلال تطبيق الحوكمة الالكترونية.

3. التأكيد على تأسيس مجلس الاعمار وربط الهيئة الوطنية به مع تحسين أداء الجهاز المصرفي من تشريعات وأداء سواء كان حكوميا او أهليا بما يمكنها من الاستجابة لتقديم التسهيلات المصرفية بغية تنشيط حركة الاستثمار في القطاعات الأكثر ملائمة.

عرض مقالات: