تعرضت الصناعات الوطنية إلى عمليات هدم مبرمج في عهد الحكومات المتعاقبة بعد التغيير عام 2003 وإلى يومنا هذا، مما تسبب في تخلفها وتدهور إمكاناتها وشل قدراتها التصنيعية والتنافسية وحرمانها من الاستفادة من الثورة العلمية والتكنولوجية ومواكبة التطورات المتسارعة من حولنا، والسبب يكمن في هيمنة ونفوذ الفئات الهامشية والطفيلية وتسلق سماسرة الشركات التجارية الاجنبية إلى مراكز صنع القرار وتحديد توجهات البلاد السياسية والاقتصادية المستقبلية والهادفة إلى تدمير ما تبقى من القطاعات الانتاجية الوطنية الصناعية والزراعية.

ولا شك أن تراجع الصناعة الوطنية وخاصة التحويلية يعود لجملة من الأسباب  السياسية  والتدخل الخارجي وانتشار الفساد في جهاز الدولة بسبب شكل  وطبيعة النظام بعد الاحتلال الأمريكي، وفي الاستفاضة في فرش هذه الأسباب يمكن القول إن الأسباب السياسية تتلخص أساسا في السياسة الاقتصادية التي مارستها  حكومات ما بعد الاحتلال التي تعلقت أفكارها بأهداب البرنامج الذي وضعه الحاكم الإداري الأمريكي والذي شرع لما أسماه بحرية التجارة وحركة رؤوس الأموال التي فتحت الحدود أم هروب رؤوس الأموال التي لم تجد لها بيئة مناسبة للنشاط في سوق انتعشت فيه المخاطر الأمنية الموصوفة بالطائفية  الناشئة في الداخل والداخلة من دول الجوار الإقليمي، ومن هنا يأتي عامل التدخل الخارجي الذي يتمثل بجملة من الظواهر بينها سياسات الإغراق التي اتبعتها دول الاقتصادات الكبرى بهدف السيطرة على السوق العراقية التي أهملت الحكومات المتعاقبة مواجهته بتطبيق القوانين اتي تم تشريعها في عام 2010 والمتمثلة بقانون حماية المنتج المحلي وقانون منع الاحتكار وقانون حماية المستهلك وما صاحب ذلك من تطبيق سياسة نقدية فتحت الباب لكارثة هروب العملة من خلال نافذة البنك المركزي وهي سياسة منتقاة من دول بعينها، وبطبيعة الحال فقد تماهت مع هذه العوامل عوامل أخرى رافقت الصناعة العراقية تمثلت بتقادم وسائل الإنتاج  في معظم خطوط الإنتاج وعدم قدرتها على العمل بطاقتها التصميمية فضلا عن تدمير البنى التحتية كالكهرباء والماء ووسائل النقل والمواصلات.

 إن تلك العوامل قد أزالت بمجرفتها المتوحشة كل القاعدة الصناعية التي ترعرعت في المراحل اللاحقة لثورة تموز عام 1958 ومنها على سبيل المثال لا الحصر  مصانع الحديد والصلب والبتروكيمياويات والأسمدة الكيمياوية في البصرة والورقية والبلاستيكية في ميسان وغيرها الكثير من المنشآت الصناعية الحيوية الحكومية  والتي  تميزت منتوجاتها بجودة عالية تغطي الكثير من احتياجات السوق المحلية، إضافة إلى ما كان ينتجه القطاع الخاص من منتوجات نسيجية وغذائية وجلدية وأجهزة منزلية فاخرة والقطاع المختلط الذي كان ينتج التلفزيونات والثلاجات والمكيفات والطباخات والكثير غيرها من المنتوجات والتي اختفت لاحقا من السوق المحلية بفضل سياسة الانفتاح الفاحش وانعدام الدعم لهذا القطاع إضافة إلى ما كانت تقدمه ورش ومصانع القطاع الخاص من خدمات أساسية لشركات ومصانع القطاع العام وتوفير احتياجاتها من قطع الغيار والصيانة ودعمها بالكوادر الفنية الوسطية المدربة والمؤهلة والمهارات المتخصصة الضرورية.

  لكل ما تقدم فان الدولة مطالبة بإلحاح بمغادرة السياسة التدميرية المستوحاة من نفايات الليبرالية الجديدة المتوحشة، وأن تتولى بجدية تهيئة المستلزمات الضرورية لخلق بيئة لعملية إصلاح حقيقية وأن تتسلح برؤيا صناعية مستقبلية هادفة إلى بناء قطاع صناعي تحويلي متطور بوجهة بعيدة المدى تكون إطارا لاختيار سياسة تصنيعية وطنية متينة تشكل قوة تنافسية متكاملة ونقترح الاتي:

1. ان تتجه الدولة في مجال تطوير الصناعة التحويلية إلى التخطيط لاستيراد أفضل أنواع التكنولوجيا المتاحة وفي ذات الوقت تضمين عقود الشراء التدريب الكامل للكادر الوطني على هذا النوع من التكنولوجيا القادر على التشغيل والصيانة والمشاركة الفعلية في نصب المعدات.

2. إنشاء مركز للأبحاث الصناعية ووحدات خاصة بالأبحاث والدراسات في المنشئات الصناعية الهامة ترتبط بمراكز الأبحاث مع الاهتمام والتركيز على تكنولوجيا الإنتاج.  

3. وضع الخطط ذات البعد الاستراتيجي بإحياء الصناعة البتروكيمياوية وصناعة الحديد والصلب والفوسفات والكبريت التي تشكل عصب الصناعة التحويلية وإحياء الصناعات التي برع القطاع الخاص بإنتاجها وتشجيع الاستثمار المحلي والاجنبي في هذه القطاعات.

عرض مقالات: