السياسة الاتفاقية الحكومية  لكي تحقق  أهدافها لابد من استيعاب المفهوم العلمي للإنفاق ووظيفته المثلى في عكس السياسة المالية للدولة في الميدان الاقتصادي على أساس التعريف الذي استقر عليه الاقتصاديون في كونه (مجموعة من المصروفات التي تقوم الدولة بأنفاقها عبر الاستراتيجيات والموازنات السنوية بإنفاقها في شكل كمي من المال خلال فترة زمنية محددة لإشباع  حاجات معينة للمجتمع الذي تنظمه الدولة) بالاقتران مع مفهوم الاستقرار الاقتصادي الذي يعني المرحلة التمهيدية من اجل استعادة التوازن الذي يتحقق عندما لا يتجه أي من المتغيرات الاقتصادية إلى التغير بصورة سلبية في مدة محددة. 

وانطلاقا مما تقدم لابد من الرجوع  إلى الارقام المتوافرة عن الايرادات المالية التي دخلت إلى العراق لنستقي منها الدرس والعبرة، اذ كان مجموع الايرادات من العملة الاجنبية للفترة من عام 2005 ولغاية عام 2017، 706 مليار دولار انفق منها اكثر من 703 مليار دولار والبقية تم تدويره إلى رصيد افتتاحي لحساب وزارة المالية في بداية عام 2018 وكانت نسبة المنفق من الايرادات المالية الاجنبية 99,5 في المائة من حجم الايرادات الكلي، فضلا عن ذلك بلغ حجم التنفيذ المالي للموازنات السنوية 489 مليار دولار اي ما نسبته 70 في المائة ناهيك عن المنفق على الاستيرادات الحكومية وعقود التراخيص النفطية والمدفوعات العسكرية وخدمة الديون الاجنبية هذا الكم الصادم من الانفاق كل ذلك كان وليد جملة من الاسباب تقف في مقدمتها الزيادة في عرض النقد وسوء الادارة المالية والنقدية والمغالاة في الانفاق الاستهلاكي الحكومي والخاص وقلة الانفاق الاستثماري ويقف على رأس كل هذه الاسباب عمليات الفساد التي تتسلل بين أوعية عمليات الانفاق الملغمة باللجان الاقتصادية للأحزاب النافذة.

ومن جانب آخر فقد عمدت الدولة كجزء من رؤيتها الاقتصادية إلى توسيع قاعدة الجهاز الاداري وانفاقه الاستهلاكي ورفعت من مستوى الدخول مع ما صاحب ذلك من البذخ في الانفاق خارج نطاق الانتاج من فيض في سيارات النقل الخاص  ومخصصات ما انزل الله بها من سلطان وحصرها في دوائر معينة ميدانها الرئاسات الأربع والأمانة العامة لمجلس الوزراء والعديد من الوزارات والإيفادات السياحية بحجج التدريب وتحويل الطلب الناتج عن مضاعفة القوة الشرائية نحو الجانب الاستهلاكي التي عبرت عنه نافذة البنك المركزي حيث زادت مبيعات البنك المركزي للقطاع التجاري الخاص أكثر من 300 مليار دولار لغاية عام 2017 حيث جرى التركيز على استيراد البضائع الاستهلاكية الرديئة مما أدت إلى تدوير الجزء الاعظم من الموارد النفطية إلى الخارج عبر ما  جرى التعبير عنه  بالباب المفتوح.

ان الحكومة العراقية مدعوة بإصرار لا عادة تقييم كافة السياسات السابقة سواء ما يتعلق بالسياسة المالية الاتفاقية بما فيها ابواب الهدر والفساد ومصادر التمويل وامكانيات تعظيم الايرادات والدروس المستخلصة منها مع ما تتطلب من خطط وتشريعات ملزمة وتنسيق كامل بين الاجهزة التنفيذية والتشريعية والقضائية والعمل كفريق واحد للخروج من هذه الازمة القاتلة ونقترح في هذا المجال ما يلي:

1. اعادة النظر في حجم الانفاق الحكومي وتخليصه من أبواب الهدر وإلى أدنى المستويات والالتفات إلى الانشطة التي تساهم في تنويع الاقتصاد وتوجيه الايرادات النفطية خاصة بعد الزيادات الكبيرة في أسعار النفط نحو قطاعات الانتاج والابتعاد ما أمكن عن إنفاق القروض الاجنبية لأغراض الانفاق التشغيلي كي لا يكون عبئا على الاقتصاد الوطني والموازنات السنوية.

2. توجيه الموارد الداخلية بما فيها القروض الداخلية نحو الانفاق الاستثماري وبضمنها مصادر الدخل الاخرى كالمنافذ الحدودية والايرادات الضريبية بكل عناوينها بما فيها شركات الاتصال والضرائب المفروضة على عمليات شراء الدولار من نافذة البنك المركزي وشركات التامين وكافة الاوعية الضريبية الأخرى.

3. التشديد على تعبئة جهد وطني واسع وحقيقي متعدد الاطراف بما فيها الحركة الجماهيرية لمكافحة الفساد داخل الجهاز الحكومي والتعبئة الرقابية لأبعاد الفاسدين وتنشيط حركة القضاء لاستعادة الاموال المنهوبة والاستعانة بالجهد الدولي لهذا الغرض.

عرض مقالات: