اعتمدت نظرية شيللر على مبدأين  يعنى اولهما بأن الوجود الحقيقي لا يتحقق الا عن طريق اللعب، فيما يفترض  الثاني ان اللعب بمعناه الجمالي الابداعي هو الابلغ في تعبير عن الروح الانسانية، وهذا ما اعتمده (الزيدي) في مونودراما (حنان قطا) بعد ان تناولت شخصية أمراءه تقضي في انتظار مجيء الحبيب الموعود وسط تحديات ذاتية ومجتمعية حاولت التصدي لها ومقاومتها عبر شمولية في الخطاب تتعدى معاناتها كأنثى مصابة بالسرطان  ضمن رقعة جغرافية محددة الى اكثر من ذلك حول قضية وطن وارض مستباحة من قبل المرض اللعين الذي يشكل ثقلاً ينهش جسدها.

   فقد حدد الكاتب بعض السمات لشخصية( حنان)عبر تعاملاتها مع الاخرين ما اعطاها ملامح مميزة وسمتها بالرومانسية الحالمة التي تضمر الجمال وتعتاش معه وفي ذات الوقت هي مقاومة متمردة على التقاليد والاعراف المجتمعية البالية ، لكنها في خضم هذا التمرد لم نلحظ ضمن حواراتها تمردا صريحا على السرطان بوصفه الاساس في مشاكلها، قد يعود ذلك الى رؤية الكاتب في ان هذا المحتل لا حل  معه سوى القوة ولا تعاطي معه الا بالاستئصال فهو يرسم لها حلا لابديل عنه يتمثل بإجراء العملية الجراحية على وفق المثل الوارد لدينا ( اخر العلاج الكي).

ان السمات التي رسمها الكاتب للشخصية المونودرامية اوحت له بأبعادها النفسية والجسدية بانتفاخ البطن والاختلال في مقاييس الجسد الانثوي، فضلا عن التقلبات النفسية وحالات التوتر التي تكابدها (حنان ) فالبطن المنتفخ له تأثيراته وتبعاته المجتمعية على الفتاة البكر، كذلك في تشويهه للخصر الذي يشكل منطقة تباهٍ لكل الفتيات لاسيما وهنفي مقتبل العمر. فضلا عن العاطفة التي تمتلكها (حنان) والمشاعر الجياشة والخيال الخصب بوصفها شاعرة.

الا انها ومنذ اللحظة الاولى افصحت عن ازمتها وصراعها مع الموت من خلال حوارها الاول (يبدو ان اللعبة ستنتهي) ومن ثم تحيلنا الى صورة العاشقة التي تهيم حبا وحلما بلقاء الحبيب الذي يشعرها بالأمان لكنها سرعان ما تعود الى يأسها المعهود المتمظهر من خلال حوراها (يضيع الهوى وتنهمر التنهدات ويتلاشى البهاء) فيتبين لنا من خلال حوارات (حنان)عن نفسها واستعارتها للشخصيات التي تشكل دائرة معارفها وعلاقاتها من انها قد اصبحت من الذكريات وانها لم تعد تأبه بحياتها السابقة وبتلك الشخوص بعد ان فقدت لذتها في الحياة. فقد جسدت الشخصيات بتنوع مغاير بدأ من شخصية الاخت التي احالها (المؤلف) الى المرجعيات الاجتماعية والعرفية بل وحتى الدينية ووجودها الصارم في الحياة، وقد حاكت (حنان)من خلال تلك الاستعارات تمردها على تلك القوى التي كانت في  صراع دائم معها للتخلص منها .

فالأخت دوما تحن أنستلوجيا الى الماضي كما هي مجتمعاتنا التي تفخر بماضيها متناسية حاضرها وفاقدة لمستقبلها، قد برزت هذه السمة من خلال الوصايا الدائمة لحنان بزيارة القبور والوقوف على اطلالها، كما جسدت (حنان) شخصية الاخ الخفي عبر ذلك التابو الذي يمثله الصنم لاسيما في الموروث والثقافة الشرقية التي تحتفي بالمقدس وحقه في تقرير المصير والتقرير للمستقبل وان كان مجرد صنم، وهذا الصنم هو فزاعة المرجعيات الاجتماعية العرفية في تقييد الحريات وتكميم الافواه. اما شخصية الحبيب الذي يكبرها فهي تتراوح بين شخصية المنقذ وبين حلمها الواسع الذي لا تحده حدود فهو يتجاوز بكثير عمرها الفيزيائي المعيش، لكن الكاتب وبتقنيات المحترف وبقصدية العارف قد وضع حدا لهذا الحلم عبر صدمة اصابته بذات المرض الذي اصيبت به هي ، وكأنه اراد القول ان المحتل لم يفسد الجسد حسب بل انزاح نحو الفكر، فحتى الحلم اصبح مشوها كما هو الحاضر ، فالبدايات الخاطئة تحتم النهايات المشوهة، ورغم ذلك نجد (حنان) متمسكة بحقها في البقاء من خلال حوارها(انا ارفض الرحيل على الرغم من ان الدنيا اصبحت قبيحة، لكن مازالت لذة العاطفة في خصب).

عمد (الكاتب)بذكاء وحرفية الى رسم الشخصيات بأبعادها الحياتية وبمرجعياتها التأويلية الكونية عبر استعارات معرفية غاية في الجمال ولغة شعرية ممتعة تحدت بذلك الطابع المونودرامي المتداعي نحو السرد الى صور شعرية يمكن تجسيدها صوريا على خشبة المسرح.

اما من حيث تنوع الصراع الذي تأرجح ما بين صراع داخلي تمثل في صراعها مع ذاتها وذكرياتها ونجاحها الذي تقرر هجره مجبرة من خلال تنازلها عن الاحتفاء بها وتكريمها كونها امام مسؤولية اكبر تجاه جسدها وواقعها عبر اجراء العملية، كذلك في صراعها مع حلمها الاكبر الذي تصدم بأنه يعاني ماتعاني ولجوئه الى الهروب قبلها ملتحقا بالموت، فالمحتل يقتلنا حين يقتل الامل فينا، اما الصراع الخارجي فقد تمثل بصراعها مع المرض كمحتل لجسدها الفتي بعد ان اعتاش على خيراتها، فضلا عن صراعها مع تقاليد مجتمعها  واحكامه المسبقة المتبناة من اقرب الناس اليها.

ان الزيدي من خلال هذا النص:

جسد قضية وطن محتل تكالبت عليه كل القوى من حوله لتحطيمه تحت ذرائع شتى منها (الخوف، الحماية، الديمقراطية، الوصاية)لكن في المحصلة النهائية اسهموا جميعا في وأد احلامه قبل قتله.

في ضوء معطيات النص المونودرامي تبين ان(الزيدي) رسم لنا شخصية (حنان)بصفها الاكثر ضياعا والاكثر حضورا في ذات الوقت، وان استعاراتها للشخصيات ماهي الا مجرد عملية حذف شطب لتلك الشخصيات التي تعاطت معها، وبالتالي فهي بذلك تتحرر من قيود تلك الشخصيات كي تصل الى القيد الاكبر متمثلا بالاحتلال فتلجأ الى استئصاله من خلال الجراحة وكأنها عملية استشهادية لها مالها وعليها ما عليها من مخاطر ، لكنها موقنة انها سوف تنتصر لتعيد رسم احلامها من جديد.

توظيف المرآة في اكثر من مكان هو نوع من البوح داخل البوح الداخلي كون المونودراما عملية بوح ذاتي وتداعي لكن وجود المرآة جعلنا امام تداعي حر لشخصية( حنان) داخل المونودراما.

لم يبتعد (الزيدي)عن روحه المحلقة في الشعر لاسيما في الحوارات التي بدت وكأنها قصائد مرتلة بالغة الاتقان.

لم يلجأ ( الزيدي)الى التنويع في الخطاب من خلال الاغنية والموسيقى وبعض التقنيات المسرحية الموظفة لكسر رتابة السرد المونودرامي ، لكنه استعاض عنها بالصور الشعرية التي تسهل على المخرج تجسيدها على المسرح.

اخيرا وحسنا فعل اذ جعل راية التغيير بيد الفنان والشاعر والمثقف فهو وحده القادر على بناء الانسان.

عرض مقالات: