الموضوعية الجمعية التي يعيشها المجتمع العراقي عموماً ، منذ الخيبات التي طفح كيل الصبر بها ، منذ ٢٠٠٣ وحتى الآن ، كانت الحافز الرئيسي لتثوير الذات العراقية رفضاً عفوياً لوجه من أرادوا للوطن سباتاً عميقاً يستفز الأرادة الوطنية بما يجعلها أكثر عزماً لمواجهة التحديات الآنية في ظل ظلام الجهل ، وإشاعة الغيبيات الساذجة والمحبطة لآفاق التطلع الى غد أفضل .. ولو لم تكن الثقافة بكل أشكالها حاضرة في المشهد الحياتي لما أصبحت لرغبة التغيير والإنتفاضة بمعناها الإصلاحي الثوري هذه الصورة الناصعة التي تجلّت في سلمية انتفاضة تشرين المجيدة  ٢٠١٩ (من جانب المتظاهرين طبعاً) وأهدافها الوطنية والإنسانية .. 

* ولكن بنفس الوقت لا نريد أن نعطي للثقافة الدور السحري في طبخ ونضج الوعي الجماهيري الذي تبلور خلال سنوات العوز والقهر والمحن العجاف.. التي تعيشها بلادنا.. وأبسط مثال على ذلك أن الفرد العراقي (رجلاً أو إمرأة) لا يحتاج الى قراءة قصة أو رواية أو قصيدة تتحدث عن الجوع والتخلف والقتل المجاني وغيرها من التعاسات والأزمات، كي يشعر بها والسبب واضح جداً، لأن هذا الفرد يعيشها ذاتياً ويتلمسها ويتحسس ويشعر بها خصوصاً في الطبقة الفقيرة التي أصبحت تشكل نسبة كبيرة في المجتمع، دون الحاجة الى قراءة ذلك في منجز ابداعي محدد أدبيا أو فنياً.. انما الثقافة هي العامل الرئيسي في تلمس وشعور مرير واقع الجوع ومعاناة التخلف وتفشيه في مختلف جوانب البيئة والحياة..، بل أن الثقافة هي أحد الروافد التي (تصقل) درجة الوعي التي تتطلبها أسباب الأحتجاج والإنتفاض بوجه صناع الجوع والتخلف والتردّي وكل صور الإنحطاط السياسي والأخلاقي وفق منهج (الفوضى الخلاقة) الذي جاء به العدوان والإحتلال وهيمنة بعض دول الجوار على أغلب قرارات الدولة العراقية..

* ولا ننسى أن العناصر البشرية للثقافة هي ليست بغائبة عن الأُسرة العراقية خصوصاً اذا ما فهمنا الثقافة بمعناها (العام)، اذ لا تحدد (بالأديب والكاتب والشاعر والقاص والفنان بأنواعه) فحسب، وانما بالعناصر البشرية المثقفة الأخرى في قطاعات ومساحات واسعة ومعروفة بديهياً، فالمهندس والطبيب والمعلم والصحفي والإعلامي والأكاديمي والتربوي استاذا وطالباً من كلا الجنسين،  هم الوجه الآخر لعناصر الثقافة البشرية، وهؤلاء كلهم هم جزء حيوي وفاعل في إدارة وقيادة المجتمع أُسرياً، الى جانب جمع كبير من المنظمات المدنية المثقفة والواعية - المتنورة التي تتفاعل عفوياً وإستراتيجياً ومن دون إيعاز خارجي في نشر وصقل الوعي الجمعي المشار اليه..

وبالنسبة لي فأني أجد معنى (صقل الوعي) هو ايجاد (الأسلوب الإحتجاجي)، وتطوير هذا الإسلوب آنياً مع وعلى وفق تطور الأحداث السياسية ومع تطور التصدي المضاد لهذا الأسلوب من قبل السلطات الجائرة والقمعية بتوحش القتل والخطف وتكميم الأفواه بأساليب وتكتيكات خبيثة أقلها تجييش الجيوش الألكترونية الموالية والتابعة للأحزاب الحاكمة وميليشياتها الخارجة على القانون والمضادة للمتظاهرين السلميين.،

 * وهنا يبدو الفعل الثقافي أكثر نصوعاً وبياضاً في فضح تلك الأساليب المناوئة لإرادة وأهداف الإنتفاضة وثوارها الأحرار، وهي أساليب ملتوية وتبريرية فاشلة وتسويفية محبطة للآمال والعزائم والهمة الوطنية المتصاعدة في سوح الإحتجاج على مساحة الوطن.. بإعتبار أن الثقافة هي الأكثر إحساساً وإبداعاً في إبتكار وسائل وأساليب التظاهر والإحتجاج بما يحصن الثورة من الإختراقات المتوقعة والمشوّهة لوجهها البريء والوطني  والإنساني / إذن فلا بد للثقافة أن تأخذ دورها الطليعي في التواجد والحضور اليومي الفردي الإنساني للعناصر الثقافية..

إن بلورة الشعارات وصياغتها ورفعها وإطلاقها على لسان جماهير المنتفضين الأحرار هي من مهمة الثقافة والمثقفين.، كما أن صقل الوعي يتطلب منهما أن يكونا معاً عاملا مهماً في الحضور على منصات التواصل الإجتماعي لما لها من انتشار واسع في حياة المواطن الثائر، وبما يفوّت الفرصة على المتربصين للنفاذ الى تلك المواقع والتواصلات (السشيو - ميديا) بأنواعها.. فتدوين أو منشور أو تغريدة مخلصة ونقية واحدة في هذه المواقع يمكن أن تشعر الناس بمفرزات وسموم الخطر المحيط بهم أو الذي يسري الى ساحات وعقول بعضهم لغرض الإيقاع بهم وكشف نواياهم وتحركاتهم بما يضعف العزيمة ويحبط المعنويات الوطنية وعنفوانهم الصاخب بحب العراق (نريد وطن).. وطناً خالياً من العبث والخراب والجهل والتخلف والفساد والطغاة..

إن إدامة زخم إنتفاضة تشرين الخالدة في مقبل الأيام والأشهر وربما السنوات، ضروري جداً.. وأهمية هذا الزخم لابد أن تتكاثف بسبب أن الإنتفاضة لم تحقق كامل أهدافها المعلنة من أول أيامها وما أضيف اليها في كشف القتلة ومحاسبتهم، إضافة الى باقة مهمة من المطاليب المشروعة قانونيا وإنسانياً حتى أصبحت مطالبَ وطنية لا يمكن التنازل عنها أو تسويفها لحرق مضامينها العادلة، مع كل التضحيات الزكية التي تقرّبت بها الى حرية الوطن وكرامته.، وهذا يستدعي من الثقافة والمثقفين عدم الكلل والملل في (صقل الوعي) المجتمعي والوطني، وإبتكار المزيد من وسائل التنوير الثقافي الإحتجاجي  بالإعتماد على الطاقة الثورية المخزونة في نفوس الشباب الناهض والصاعد.. ولابد أن نعي جيداً أنه اذا ما تعثرت أو أخفقت خطوات الثقافة والمثقفين ومبادراتهم الخلاقة في لحظة طارئة وإستثنائية بسبب التخويف والترهيب والإختطاف فذلك ينبغي أن لا يستمر كي لا تُحبط المعنويات وتُنكّس الرايات.. فالوطن الحبيب يستحق منا التضحية، فهو بلد الحضارات والخيرات وهو الأم الرؤوم الحاضنة لكل قومياتنا وأدياننا وطوائفنا المتآخية والمتحابة على مرمى التاريخ والبصر..

كما أن شعبنا المضحي الكريم الطيب النبيل يستحق من الجميع وخصوصاً المثقفين وثقافتهم أن يعطوا له بلا حدود روحاً وعقلاً وابداعاً..

إن التعايش الروحي والعملي مع المتظاهرين من قبل المثقفين يحقق بلا شك هدفين على الصعيد الوطني والثقافي هما :

أولاً تقوية المعنويات ويصقل الوعي، من خلال التوجيه السليم المبني على رؤية وطنية خالصة، وحكمة بارعة في خوض النضال والكفاح السلمي بين الجماهير وللجماهير لتحقيق الهدف الرئسي المنشود (نريد وطن)..

ثانياً / صقل للتجربة الإبداعية للمثقفين من حيث المنجز (أدبياً - فنياً) فتأتي مفردة المثقف في هذا المجال التنويري باصرة مستبصرة نافثة في دقة ملامح تجربته ومنجزه برموزها ودلالتها وجماليتها..

واذا كان هذان الهدفان هما الأبرز، فأن هناك أهداف ونتائج متفرعة ومتشعبة أيضاً ستتجذر في إتون مثابات الحياة على المستوى الآني - والمستقبلي منها، يمكن أن تعطي نتائجها وثمارها الطيبة مستقبلاً لأنها ستصبح تاريخاً ونبراساً وسراجاً وهاجاً يضيء ملامح الطريق للأجيال القادمة.. ولهذا ينبغي أن نستمر في  دعوة الثقافة والمثقفين أن ينفضوا عن أنفسهم غبار التكاسل والتهاون والضعف..  ينفضوا (دور الثانوي) للمثقف في الإنتفاضة، بل يجب أن يكون المثقف فاعلاً رئيسياً  ومهماً بالتماس المباشر معها، لإضاءتها أكثر بما لا يدع لأي غربال أن يغطي ملامح شمس الإنتفاضة التحررية المجيدة وتأثيرها على حياة الجيل الحاضر والقادم من الشعب.

عرض مقالات: