اذا صح الكلام بان رواية “روبنسون كروزو” لدانيال ديفو التي نشرت عام 1719 هي أول رواية في الأدب الإنكليزي، فإن رواية” ويفرلي” لوالتر سكوت التي نشرت عام 1814 هي أول رواية تاريخية، فيكون الفارق الزمني بين الرواية والرواية التاريخية أكثر من قرن من الزمان، وبعده كتب الكسندر ديماس الأب رواية الفرسان الثلاثة، وميشال زيفاكو  روايات جسر التنهدات وباردليان، وليون تولستوي رائعته الحرب والسلام مستلهماً حرب نابليون ضد روسيا. وأدلى الأدباء العرب بدلوهم فكان أمين معلوف علامة مهمة في الأدب الروائي العربي الذي كتب سمرقند، وليون الأفريقي، حدائق النور، موانيء المشرق التي ارخت القضية الفلسطينية، وكتب جرجي زيدان عدداً كبيراً من الروايات التاريخية، أما الروائي نجيب محفوظ فقد كتب ثلاث روايات تاريخية : “عبث الأقدار” “رادوبيس” و “ كفاح طيبة” مستلهماً التراث الفرعوني.

يعزو الدكتور نجم عبد الله كاظم سبب ندرة الرواية التاريخية في العراق إلى تأخر ظهور الرواية العراقية بشكلها الفني إلى منتصف ستينات القرن العشرين. وهذا لا يمنع ظهور الرواية التاريخية في العراق، مثل رواية يزداندخوت الأربيلية لسلمان صائغ 1934، سبي بابل عبد المسيح بلايا 1955المسلم الثائر لطاهر الحميد. وحملت رواية من يفتح باب الطلسم لعبد الخالق الركابي ملامح الرواية التاريخية، وظهرت بعد عام 2003 روايات تحمل هذا الطابع: ملائكة الجنوب لنجم والي،2009، مدينة الصور للؤي حمزة عباس 2011، عشاق وفونغراف وأزمنة  للطفية الدليمي 2017 ، خاتون بغداد لشاكر نوري 2017، كارل ماركس في العراق لفرات المحسن 2017وبعض روايا ت علي بدر، ولبابة السر لشوقي كريم،2020 ، دفوف رابعة العدوية لعبد الستار البيضاني 2022 .

  يتمتع الكاتب والروائي سلام عبود بقدرة استثنائية في استلهام المكان او الموقف الذي يثير في روحه بهجة الابداع، فيوظفه في أعماله الروائية، وقد رافقه كاتب هذه السطور في رحلة على مشارف  أهوار منطقة الخمس في ناحية السلام عام 1971 يوم كان معلما هناك، كانت الأجواء السياسية مكهربة، قدم سلام معي وهو لا يحمل سوى علبة سكائر بغداد، تحسباً لكل طاريء. ذهبنا إلى الأهوار في زورق قاده فلاحون شبان، كان سلام مصكوكاً، خشيت عليه، أردت أفتح باب الحديث، لكنه مانع الحديث. كان القمر ذهبياً يلون الجروف وأوراق الشجر الخازنة لثمار العنب والتين، وهو يمنح الموجات اللاصفة بالنور ابعاداً لانهائية. عدنا بسلام،” لكنه اعتقل في الزيارة الثانية بصحبة الصحفي العماري القدير هشام الطائي (أبو الحارث)، وبعد التغيير الذي حصل في العراق عام 2003 اصدر مجموعته القصصية” العودة إلى آل أزيرج”، واستنتجت إنه استلهمها من أجواء تلك الزيارة، كانت زيزان الحقول، ونباتات القصب والبردي وبيوتها الآمنة سمة من سمات تلك المجموعة. كما أنه استلهم من  زيارته إلى مستعمرة الجذام في “ البتيرة” في محافظة ميسان التي كُلف بها من قبل جريدة “طريق الشعب” آنذاك، روايته “ذبابة القيامة”، والشاهد الثالث هو زيارة سلام عبود لقبر والدته رحمها الله، عام 2007 ، وظهر ذلك في اللوغو على صفحته على الفيسبوك وهو يمس القبر مساً خفيفاً مع علائم الحزن والأسى التي سادت ملامحه، وهنا أقول ربما انبثقت فكرة وفاة أبي زريق البغدادي في قرطبة من هذه اللحظة الحاسمة، وربما زاوج شخصيات عديدة لينتج الشخصية الأساسية أبو سليمان أو عامر المجريطي  كما يسميها ياقوت الحموي وهي ( المدريدي) بلغة هذا الزمان، الذي يحمل بعضاً أو كثيراً من شخصية الروائي.

 “ فرغت من اللقاء، رفعت رأسي نحو ألفيرة ( بطلة رئيسة من الفرع النصراني من العائلة  في قرطبة، ويقوم أخوها راميرو بإدارة مزارع ابو سليمان المجريطي)، فوجدتها تتوسد القبر، كأنها تعانق شخصاً حياً... جلست أمام القبر والرقعة أمامي موضوعة عليه، وشرعت اتبارى مع الفيرة في اظهار حرقة البكاء، وأنا لا أدري على وجه اليقين على من ابكي : على شخص لا أعرفه معرفة أكيدة، أم على مصيره  الغريب الغامض، أم على خيباتي الشخصية !  ص25.

   دخلنا المقبرة معاً. ترجلت بخفة، لكنها كانت تهوي، فأسرعت وأمسكت بها، فما كان منها إلا أن احتضنتني باكية، وهي تقول :

-لقد قتلته ولن أغفر لنفسي.

وحين وصلنا القبر، ناولتني الرقعة وقالت: 

-اقرأ بصوت عال.

-لا تؤاخذيني كثيراً لو تلكأت في القراءة، فأنا مرتبك، كما ترين.

لم تعقب على كلامي. أحسست أنها غير معنية بشيء مما أفكر به أو أحسه. كانت غارقة تماماً في حزنها. فتحت الرقعة وشرعت أقرأ، وهي تقف أمامي مترنحة، يفصل بيننا قبر ابن زريق، ركزت أنظاري في الرقعة، لأن الفيرة لبثت تميل إلى أمام وإلى وراء، كما لو أنها تهوي على صفحة القبر:

لا تَعذلِيه    فإن     العَذلَ  يُولِعُه     قَد قلت  حَقّاً   ولَكِن لَيسَ يَسمَعُه

جاوزَتِ في نصحه  حَداً أضرّبهِ      مِن حَيثُ قَدرّتِ أن النصح يَنفعُهُ

قَد كانَ مُضطَلَعاً بالخَطب يَحمِلُهُ    فَضُلّعَتْ  بخُطُوبِ  البين  أضلُعُهُ

ما آبَ  مِن  سَفَرٍ   إلا  وَأزعجهُ    عزم إلى سَفَرِ  بالرغم     يُزمِعُهُ

كَأنَما هُوَ  فِي   حِلٍ    وَمُرتحلٍ     مُوكّل      بقضاء     اللَه ِ   يذرعهُ

استودع اللَه، فِي بغداد ، لي قَمَراً    بالكَرخِ مِن  فَلَكِ   الأزرارِ مَطلَعُهُ 

وكم تشفَعَ   بي أن   لا   أفارقهُ،    وللضرورات   حال   لا    تُشَفعّهُ

(ص24)

تعتمد الرواية عالماً بنيوياً خاصاً تقوم عليه منذ فصلها الأول في قرطبة لتنتقل إلى بغداد، انها قصيدة خلفها ابن زريق البغدادي بعد رحيله المأساوي.

- أهذا شعره؟

- يا ويلي! هذه روحه يا أبا سليمان، روحه. هذا لا يسمى شعراً، هذه روح، روح طاهرة، محبة عظيمة، لا تجود الأرض والسماء بمثلها بعد اليوم، روح سكبت هنا وخلفت وراءها جسداً  هامداً غريباً مهاناً.(ص26) .

   كتب العديد من النقاد والدارسين عن الرواية التاريخية، ففي كتابه “الرواية التاريخية” يقول جورج لوكاتش “ هي أيه رواية تثير الحاضر  ويعيشها المعاصرون بوصفها تاريخهم السابق.)، ولكنها من الممكن أن تكون انصياعا للتاريخ وهذا يضر السرد ويحوله إلى تابع يصف الحوادث والأمكنة والأزياء، وتقول الناقدة نادية هناوي ( نحن نريد أن يتعامل الروائي مع التاريخ من منظور ما بعد حداثي مستعملاً موضوعات جديدة تماشي النظريات التاريخية المعاصرة التي ترى الإفادة من التاريخ الرسمي. ويصفها سعيد يقطين (عمل سردي يرمي إلى إعادة بناء حقبة من الماضي بطريقة تحليلية حيث تتداخل شخصيات تاريخية مع شخصيات متخيلة. أما د. هالة فؤاد فتصفها (أكثر النصوص الروائية وفرة وكثافة في مساحات التخيل، وحدة المباغتة وعمق الالتباس وثراء الحيرة والدهشة العارمة المثيرة)، وتؤكد الدكتورة نادية العزاوي على ان الرواية التاريخي ( تحتاج إلى روائي ملم بالتاريخ.).

   أين تقع رواية سلام عبود “ تغريبة ابن زريق البغدادي الأخيرة”، انها عمل يعتد به، سلك شيئاً من الريادة في تناوله لدولة الأندلس في حقبة أفول عرشها وانتقل إلى بغداد في أوج الصراعات الإقليمية. اعتمد عبود قصيدة أبو الحسن بن زريق البغدادي “ لا تعذليه” التي يقولون في وصفها ،عينية لأن قافيتها الحرف عين، أو فراقية لأنها تتناول فراق الحبيب، أو يتيمة لأنه لم يكتب غيرها وهذا يحسب للروائي ابداعياً. كتب ابن زريق البغدادي قصيدته بعد هجرته بغداد وقمرها “ حبيبته” إلى الأندلس بسبب ضيق الحال، غير إن الحاكم أبو الخير عبد الرحمن الأندلسي لم يجزه سوى النزر اليسير، فعاد إلى الخان مهموما ليفارق الحياة. يكسو عبود الهيكل العظمي للرواية والأبطال والشخوص بشاعرية إنسانية. “الفيرة” النصرانية صاحبة الخان التي تصرخ من جوارحها : أنا قتلته، أنا التي أوصيت أن يقرأ القصيدة أمام الحاكم الأندلسي الذي أجهز عليه بعطيته النزرة. وهنا يتطوع أبو سليمان المجريطي ( المدريدي) إلى ايصال الخمسة آلاف دينار إلى عائلة ابن زريق في بغداد، ويعلن أنه ذاهب منها إلى بغداد. يتفق مع عمران العراقي على تسلم مقتنيات ابن زريق، ملابس خلقة وخاتم بحجر ثمين.

   انجز عبود الفصل الأول بلغة شفافة وبناء محكم يشد القاريء، لكنه جاء فصلاً قصيراً (47 صفحة بالقياس إلى عدد الصفحات الكلي (339 صفحة) ولم يعط المؤلف القاريء فرصة التعرف على مدينة قرطبة وتفاصيل الحياة فيها، وحتى أسماء الأماكن كانت مبتسرة لأن الروائي لم يعش في قرطبة ولم يتعرف على حواريها وازقتها، بدليل انه يصف “ الفيرة” بأنها صاحبة الخان، وهل إن هذا الخان هو الوحيد ؟ ولا يحمل اسماً، على عكس ذلك عندما يصل ابن زريق بغداد نرى الروائي يصف كل شيء بدقة مع ذكر الأسماء والكنى.

عرض مقالات: