ما زالت أسطورة شوكاليتودا. أو فلاح الإله أنكي مثيرة للأسئلة، حول ما تنطوي عليه هذه الأسطورة، ومعلوم أن قراءة الأسطورة مستمرة وغير قطعية، بسبب الحضور المجازي المتسيّد فيها. وتوفرت لي فرصة معقدة، وصعبة استمرت سنوات عديدة، وأنا أقرأ هذه الأسطورة، حتى توصلت لفحص مثير. توفر على تأويلات حول خاتمة الأسطورة، وصدر هذا البحث عن دار المدى “ الجنس في الأسطورة السومرية “ وما حرك الاهتمام لديّ حول هذه الأسطورة، ما كتبه د. عبد الأمير الحمداني في كتابه “ألواح رافيدينية” وتضمن الفصل الخاص بالأفعى في الفلك والتنجيم إشارة سريعة عن فردوس الإله أنكي، وكيف زرع هذا الإله النخلة. وقررت الإلهة أنانا / عشتار النزول في هذا البستان / أو الحديقة بسبب تعبها. وكانت النخلة أول شجرة غرسها أنكي في فردوسه الإلهي وقال د. الحمداني : أطلق على الحديقة اسم “ ايدن / عدن “ وكان نزول أنانا للاستراحة، وتحفزها شهوياً عندما رأت الفردوس وما يقوم به الغراب في عملية زرع لنخلة لتصبح سياجاً صيانياً للفردوس. وحتماً رأت الفلاح شوكاليتودا يعمل بالفردوس بقوته الظاهرة. ولم تكن الإلهة أنانا / عشتار مسؤولة عن البستان / الحديقة / الفردوس لأنها بمسؤولية الفلاح. أما سبب النزول فهو الذي شفرته الاسطورة بتعب أنانا، لذا اختارت النزول للاستراحة لكن شوكاليتودا رآها مثيرة فاغتصبها ولم تشعر بذلك حتى استيقاظها والتفاصيل كثيرة بالإمكان العودة لكتابي “ الجنس في الأسطورة السومرية “ والاطلاع عليها.

أشار د. الحمداني الى أن الإلهة أنانا / سيدة البساتين الخاصة بالنخيل وزوجها دموزي فاعل في نمو وخصوبة النخيل.

واعتقد بأن هبوط الإلهة لم يكن بسبب تعبها، لأن الآلهة لها خصائص لا يعرفها البشر،  ومنها القوة وعدم التعب والقدرة على المقاومة. بل كانت نضارة الحديقة وملمح خصوبتها هو الذي جعلها مغوية فهبطت، لأنها عوضت عبر ذلك جدبها وفقدانها للخصب والإنجاب. والسبب الأكثر حضوراً في قراءتي رغبتها للاتصال مع شوكاليتودا.

قدم د. الحمداني فصلاً مهماً مثيراً عن بنخلة في المعتقدات الرافيدينية وحصرياً في بلاد سومر الشهيرة بزراعة النخل فهي مدخل الجنة كما قال د. الحمداني وتميزت النخلة بعناصرها اليومية الواقعية والمتخيلة، الأسطورية، لذا حازت على عناصر جعلتها أكثر تميزاً عن غيرها من الأشجار. كذلك كانت وظائفها متعددة وما زالت الى الآن.

تكشف القراءة الكامنة في المعاني عن رمزيتها التي أضفت عليها قداسة فريدة، اقترنت بالمقدس والخصب، ليس في العراق فحسب، بل في العديد من بلدان الشرق. ولم تكن أسطورة ولادة مريم العذراء مجهولة علينا وقد تمظهرت عن مجازات ودلالات جوهرية. وكان لهذه الأسطورة تأثيرها في حضارات الشرق، وتحقق تمثيل مشابه لولادة يسوع، لأن للنخلة ظلال توفر الأمان والاطمئنان والحماية الرمزية، بالإضافة لوفرة رطبها كما في الأسطورة الرافيدينية. فهي تنام بظلالها وتأكل رطبها وتشرب من مسيل الماء قربها “ أسبغ المد الأسطوري المعرفي على النخلة صوراً رمزية في معتقداتهم وقدسها السومريون وانتقل هذا التقديس الى شعوب الشرق القديم، فكانت رمز الحياة، أما فسيلتها التي تعود لتنهض بعد موت أمها فأنه الانبعاث المستمر والمتجدد للحياة / ص 98. وذهب د. الحمداني الى عرض توصيف عن احد الأختام الشهيرة عن وجود رجل وامرأة وبينهما شجرة نحل وأفعى واقترح الحمداني بأنهما الأصل لأسطورة ادم وحواء. وهو الأرجح وانفرد بتأويل مغاير فكك فيه الثابت من القراءات السابقة.

“ أن النخلة هي الشجرة المقدسة ــ المحرمة وليس شجرة التفاح كما تذكر المصادر الدينية اللاحقة. فالتوراة مثلاً عنيت مكان جنة عدن في جنوبي العراق ، لكن لا يمكن للتفاح ان ينمو ويطرح ثمارا ناضجة في بيئة قاسية، حارة وجافة مثل بيئة جنوب العراق. لذلك فان النخلة هي الشجرة الوحيدة التي تستطيع أن تنمو وتثمر في ظل ظروف كهذه، وهي لا غيرها التي يمكن ان ينطبق عليها بحق وصف شجرة الحياة المقدسة وليس التفاح.

من الضروري التأكيد ــ عبر الشواهد ــ على تجوهر هذه النبتة التي ارتحلت من العراق الى بلدان الشرق للأسباب العديدة التي اشرنا إليها. ويكشف انتقال هذه الأسطورة تناصاً عميقاً مثيراً بوجود العنصر الديني الإلهي، المقدس والمستمر في حركته، ليؤكد اقتران النخلة بالمقدس. وكانت النخلة حامية لولادات عدد من الآلهة مثل ابولو وبنتو ودلين التي ولدت تحت النخلة. وتضمنت الأساطير الفينيقية ذكرا الى أن طائر الفينيق يجيء فينيقيينا من الهند بعد خمسين عاما ليجمع طيوب لبنان ويصنع منها عشا حتى احتراقه وانبعاثه ثانية من الرماد وكانت النخلة هي الطواطم الخاص لهذا الطائر، لذا تموت النخلة.

وتنبعث ثانية عن طريق فسائلها كما قال د. الحمداني أن أسطورة هذا الطائر تمثيل للموت والانبعاث ووظف المصريون نبيذ التمر لتنظيف الجثث وتطهيرها أثناء عملية التحنيط. وارتبط الفينيق بالنخلة التي أطلقوا عليها التمارا وهو اسم لبناني الأصل وليس مصرياً ومثلما قال هيرودت بانه يشبه العنقاء.

ان النخلة هي شجرة انانا / عشتار. ومن ثمرها تسمت عشتروت ومن اسمها جاء ثمرها. ومنه كان الإله دامور تامور أو تامير. ويقال بأن وفرة الخل والتمر كان سبباً جوهريا لمجيء الساميين الرعويين المعدمين من شبه الجزيرة العربية الى ارض بابل.

أوراقها تذكر بالأشجار المعمرة

ولم ير احد مثلها قط

وبعد كل هذا، انطلق الغراب

تسلق النخلة المورقة

ملأ فمة بالتمر الحلو

لسانها، الطلع يعطيك لبا

لحيتها، الألباب تعطيك حصيرا / ألواح رافيدينية / 108.

عرض مقالات: