كتاب بصرياثا، حامل الاسرار وما ينكشف من متع المكان ومفرداته التي تمثل احساسا قبل ان يكون شيئا مرئيا، كان المقهى الرياضي يضم سباحين ومصارعين وعدائين، ليس ببعيد عن (المقام) و(اسد بابل)، رحنا نعد أنفسنا لنسيان بطل الدراجات الهوائية الذي يلفت (محمد خضير) الى انه كان يحلم بسباق اخير ينهي به حياته الرياضية الحافلة بالأعاجيب

يبدأ السباق من اقصى نقطة على طريق ابي الخصيب ، وكان ينتهي عند مدخل  حديقة كبيرة ، على كورنيش شط العرب ، كان السباق يجري على طريق مستقيم مكشوف ، لم يحدث شيء يقلل من يقينية البطل بالفوز وفي المرحلة الثانية كان الطريق، ذو الثلاثين جسرا، الكثير التعرجات، المظلل بالنخل ، يبدو طريقا لا نهاية لامتداده، غير ان ما حدث في هذه المرحلة لا يمكن تفسيره الا وفق استنتاج وحيد، صمت ما بعد الظهيرة الصيفي ، وعبق الازهار والاشجار خلف اسيجة الطريق ، والاشارات الشمسية الهابطة على الاسفلت المستوي من عيون السعف، والدورات المباغتة للطريق ، جعلت العجلتين تدوران في راس البطل بسرعة فائقة، فتقدم المتسابقين بمسافة طويلة، قبل ان يدرك انه غدا وحيدا وانه ضل الاتجاه الصحيح ، ودخل دربا فرعيا في البساتين، من تلك الدروب غير المطروقة التي تقود في الاغلب الى بقعة سرابية ، كان قد انقضى وقت طويل على مرور اخر دراجة في الطريق العام ، ومرة اخرى دارت العجلتان براسه ، وزادت من سرعتهما العزلة الثقيلة بين النخيل والانفاس الساخنة للأعشاب والاشجار والغياب التام لاية رائحة بشرية ،احس انه يحلق فوق السعف، ثم يهبط من اعلى جسر خشبي صغير الى منخفض معشب، ويدخل بوابة تعرشت عليها الاعناب الى طريق لم يطرقه متسابق قبله قط

عند خط النهاية، وزعت الجوائز وانصرف المسؤولون الحكوميون والرياضيون، وتبدد القوم الذي كان ينتظر المتسابقين، كما وصلت الشاحنة التي كانت تلتقط المتسابقين الخائرين والذين تعطلت دراجاتهم، وهبط المساء وانيرت المصابيح في رؤوس الاعمدة المختفية بين اشجار الكورنيش، بينما جمع الباعة قناني المرطبات المرمية بين الاشجار، وحاولت الظلال الراقصة حول خط النهاية المؤشر على الاسفلت زحزحة كتلة امرأة وطفلين قابعة هناك بانتظار المتسابق المحترف الذي لم تصل دراجته، كما لم تصل في الايام القادمة،

وعلى وجه اخر يمدنا الشاعر عبد الامير العبادي بلمحات عن البصرة في ازمنة سالفة ومنظورات حاضرة في اصل المكان الزاخر ببساطة الناس انئذ والدفع بها خارج سياق استعمالاتها المعتادة عبر عمليات الاستدعاء مع الاخذ بنظر الاعتبار ان الاستدعاء ليس استذكار شيء ما حسب بقدر ما يعني ابقاءه حاضرا ولعل الاشد قطعا ما تفصح عنه هذه المقاطع الشعرية التي تحيلنا الى مخرجات تحمل ما تحمل من السرد الشعري فنصغي لمرئيات المدينة التي لا يبطل سحرها المكاني سوى تجليات الزمن والكشف عن الحوادث الغائرة في اعماق المدينة 

يبدا النص بكلمة (أبي) الذي يمثل الفضاء الأرحب لدلالات الامكنة التي يرتادها كل يوم:

ابي يخرج قبل اذان الفجر

كي يصلي في جامع المقام

المحروس من تمثال

اسد بابل ونهر العشار

كان لابي مقهى

يجتمع فيها عمال المراكب

هكذا يمضي النص من دون ان يأخذ معيارا من خارج محيطه حتى النهاية

 

(التنديل)

 

كان يجمعهم

ليصرف اجور تفريغ البضاعة

في العشر

 الثانية

 بالقرب من جامع المقام

معبد لليهود

اخر ما تبقى

يهوديان

صالح حسقيل

والصراف غالي

في عيد الفطر

يوزعان الملابس للفقراء وحمالي العشر

رجال الدين

يجمعون الفطرة

ونحن اطفال الفقراء

نتحسر

ركوب اراجيح

العيد

ان الشعر ملتبس بمعنى التلقائية وهي من مكونات بيئة الشعر واهم معطياته في التأثير بالآخر محققا التعالق مع تاريخ المدينة حيث يلتحم بما يقصى عنها، فهو شعر ابن مدينته وموصول بها ويقارب عملها المتغذي على البسيط الغرائبي في الاوان ذاته تلك لازمة تستدعيها ضرورة الشعر والمدينة على حد سواء.

عرض مقالات: