أن تؤمِن بشيء ما، هذا يمنحك قوّة خفيّة تجعلك تناضل في سبيله، لأن أيّ فعل إيماني، مهما كان مضمونه، يوجِد تأكيد إدراكي كجزء من مصطلح سنتفق عليه(وهو الباعث المطلق)،  تعرّضت كلمة الإيمان إلى تعريفات كثيرة مضلّلة لتكون أبعد ما تكون عن الإيمان، وُصِفَ بأعمال القلوب، فاتّهموه بأنه يخص العاطفة بعيدًا عن العقل، وفي الحقيقة إن الإنسان أمام ظواهر كونية ومعرفية، يدركها عن طريق السمع والبصر، أو الاستنباط، فإن بعض الحقائق المُدركة بالعقل فتتحول الى معلومات نظرية، فضلاً عن الجانب النفسي، إلى حالات قلبية.

لذا نقول أن الإيمان هو كلّ سؤال قائم على التمييز بين موقف فردي وكلّ إجابة يجدها العقل ليكون علاقة ما بين وجوده وفلسفته في الحياة أو رؤيته.

في تعريف جديد: أن الإيمان هو الباعث المطلق الذي تُبنى عليه الرؤية المستقبلية، وشيء جدير بالاحترام، ممتنع عن الشرح على وفق تعابير كليّة أو عقلانية، يتمثل للإنسان الحساس، من دون أن يكون مجرد إحساس، متطلّباته غامضة ومضنية، هو ليس شيء بدائي جوهري.

إذن هل الإيمان مجرد مفهوم لفظي يرتبط باللغة، بينما معناه الحقيقي قد يكون غيّبته الكلمات التي عقلنَتْ المفهوم بواسطة الفلاسفة، وما هي حدود علاقته بالأخلاق؟

الإيمان في الدّين هو الاعتقاد والتصديق والاطمئنان، وفي اللّغة فهو مشتق من الأمن وهو الثّقة وإظهار الخضوع، فهو مصدر الفعل آمِن.(1)

الإيمان كمفهوم تعرّض لكثير من حالات سوء الفهم، والتعريفات المُبهمة، التي تُربك وتضلّل، بينما هو استسلام عقلاني، نحو العقائد التي نختارها والحقائق المرجوّة، يؤكد الثقة بالشيء حدّ التصديق، كما ومن المهم التأكيد بأن هناك تراث قويّ يحمي معنى الإيمان.

والمحاولة هنا تتمثل في إعادة تأويل الكلمة، وإزالة التشويش، ودلالات التشويه الإيحائية التي أحاطت بها، لنشير أنه مهما كان المعنى والتأويل والمفهوم. فإن الإيمان يتحقّق فقط عندما نقتنع بقوّة فعله الخفيّة في دواخلنا، وبالدلالة المتناهية لما يرتبط به المعنى الذي اخترناه له.

هناك نوعان من المعاني لكلمة الإيمان يوحّدهما فعل الإيمان نفسه:

ـ الإيمان (الفعل ذاته) كمصطلح كلاسيكي الذي يطلق على فعل الشخصية والذي عن طريقه تؤدي فعل الإيمان.

ـ الإيمان (الفكرة التي تجسده) في كونه المصطلح الكلاسيكي الذي يطلق على ما يتوجّه إليه هذا الفعل، الذي يتمثّل بالمحتوى، لأنه لا يوجد إيمان بلا محتوى.

ولو خضنا في الحديث عن المحتوى سنرافقه عبر التاريخ في رحلة قصيرة، عرفنا قبل التاريخ كيف كانت تمارس فكرة الاعتقاد الإيماني بطقوس ومفاهيم مختلفة، فقد كانت الشّمس في جميع حضارات أهل الأرض، هي المقدّس الرئيسي والإله الذي تقرّب إليه الجميع، وشيّد للشمس المعابد وقدّمت لها القرابين، استمالَةً لها، واسترضاءً في كونها تدير سير الطّبيعة، فكانت الحاجة إلى الإيمان هي الهمّ المطلق، لارتباطه بالقوى العليا أو قوى الطبيعة، التي كان يحاول الانسان أن يدرأ عن نفسه المخاطر من خلالها، وكان يحاول التعامل معها خوفًا ورجاء، وقد واجهته ظواهر طبيعية متكررة كذلك، وكان لبعضها مخاطر كثيرة، حاول الإنسان تفسيرها والتعامل معها بما يطيقه عقله واعتقاده، فصنع الأساطير، وتصوّر أنه فهم هذه الظواهر، لذا كان يقدّم القرابين البشرية والحيوانية، لتلك القوى ، كما يمارس الابتهالات والتوسلات كي تُخَفف الأضرار، فربط بين سلوكيّاته، كفاعل في الطبيعة واعتقاداته التي كوّنها عن ردّ الطبيعة، حتى نشأ لديه مفهوم اعتقادي يخصّه، وهو إيمانه بما فعل ، ليمارس الإيمان بنوعيه كفعل يطمئنه، ومحتوى يعتقد بأهمّيته.

كان وراء كل حضارة قديمة اعتقادات دينية تسيّر مجرى التاريخ، فلم يتأثر الإيمان ـ بغضّ النظر هنا عن ماهيته ـ ببقاء الحضارة أو سقوطها، بل على العكس فإن عظمة الحضارات ارتبطت بديانات قويّة تدفع النّاس للتقدّم، والمعرفة اليقينية، التي ارتبطت باستقرار الانسان.

والسؤال المهم لماذا نشأت بذرة الإيمان داخل الانسان؟

لقد شيّد المعابد، وصنع التماثيل، والرموز للآلهة كبوابة للعبور إلى جوهرها غير المُدرَك، لكن الصّراع يتأجّج داخل الإنسان بين إله غير مُدرك، وطبيعة مجهولة، وشعور باطني، فلماذا نشأ هذا الصّراع الإيماني؟

الإيمان موجود في الانسان بكل صوره كمفهوم عام، ولكن الإيمان القدسي اختياريّ، ولو كان الأمر مفاهيم بدائية عن الدين والكينونة أو إجبارية، لما كانت بنا حاجة لنرى هذا الكمّ من العقائد، ولما سعى الانسان للبحث عن الكمال بصورة مطلقة، والمعرفة والبحث عن ما وراء الطبيعة.

الإيمان هو معتقد ينصبّ على أيّة فكرة يودّ الانسان أن يعتنقها مهما كانت، كأن يؤمن مصاب بمرض عضال أنه سيشفى، ويكون له ذلك بقوة اعتقاده، أو أن يؤمن بقدرته العقلية أن يبلغ درجة علمية ما، ثم يصل بجهوده، أو بفكرة ما، أو حزب ما،....لكن الإيمان الديني نوعان، إيمان حقيقي وإيمان وثني.

يبدأ الأمر منذ الولادة، حيث يُخلق الإنسان بفطرة نقية، ناصعة الشفافية، والفطرة هي منبع الأخلاق التي تتطور بالتجارب والممارسة حتى تنمو بشكل صحيح، ليبدأ الإيمان كفعل يرتكز على الشخصية الشاملة، ويشمل عناصر الحياة كلها انطلاقًا من التربية والأخلاق والمعرفة، وتتحدد جميعها في فعل الإيمان، فالإيمان هو أكثر الأشياء الراسخة في عقل الإنسان، وليس حركة جزء خاص، أو وظيفة معينة في وجود الانسان الشّامل، ومادام فعل الشخصيّة ككّل، فهو يشارك اذن في بواعث الحياة الشخصية، ويرتبط الإيمان (بخاصيّة الباعث)، في المطلب والتفكير، وقد وصفت هذه البواعث بطرق متعددة، “ ولاسيما في التطوّرات الأخيرة لعلم النفس التحليلي، وإذا فكرنا بالاستقطابات فإن تواتراها وصراعاتها الممكنة هي الخاصيّة المشتركة بين أكثرها، وأول وأهم استقطاب هو الاستقطاب بين ما يسمى الشّعور واللّاشعور، ولا يمكن تخيل الإيمان فعل شخصية شاملة من دون مشاركة العناصر اللّاشعورية في بنية الشخصيّة، ومن ناحية أخرى هو فعل شعوري، ولا تشارك العناصر اللاشعورية في خلق الإيمان إلّا إذا نُقلت إلى المركز الشخصي، فإذا لم يحدث هذا، وحددت القوى اللاشعورية الوضعية العقلية من دون فعل راكز فلا يحدث إيمان، بل يحدث إكراه، والإيمان قضية حرية. والحرية إمكان وجود أفعال شخصية راكّزة. “(2)

يرتبط الإيمان بقدرته على معرفة الحقيقي وفعل الخير وفي إحساسه بالجمال والعدل، وإمكانية التحليل والحساب، والجدل، كل هذا يجعل منه كائنًا عقليّا. فالمفهوم الحركي للإيمان هو نتيجة تحليل لكلا جانبي الإيمان الذّاتي والموضوعي،  فالإنسان قادر أن يصنع قراره، لارتباط الإيمان بالوعي، وارتباط الكمال الأخلاقي بالمقدّس، وبما أن الأخير مطلب حاضر في ضمير النفس الانسانيّة، كان حجّة للبعض بأن يفصلوا الحياة عن الإيمان القدسي، في المقابل فصل العبادات ومنحها أماكن تخّصها، فقد أعطى للإيمان أهمية أخرى وهي ابتعاده عن الحياة العامة لمواجهة المقدّس، وتعاليه وهو الامر الذي يرفع من شأن الإيمان، حتى وإن كان هذا المعتقد وثنيّا، مثل روح بوذا في الحضارة الصينية، أو تمثال شيفا، و كريشنا في الحضارة الهنديّة، وغيره.

وتتمثل أسوأ تأويلات الإيمان الاعتياديّة في اعتباره فعلًا معرفيّا له درجة أدنى أن يتأكد كشيء مرجّح أو مستبعد، على الرغم من افتقاره إلى البرهنة النّظريّة، وإذا كان هذا هو المقصود، فإن الانسان يتحدّث عن الاعتقاد لا عن الايمان، الاعتقاد تصديق بعقيدةٍ ما، مهما كان نوعها، علمي، أو وثني، أو قدسي، بينما لا يجب أن تستعمل مفردة الايمان فيما يتعلق بالمعرفة النظريّة، لكونه الاعتقاد بالوحي أو الإلهام، وتشير كلمة الإيمان في بعض الأحيان، إلى الاعتقاد من دون وجود سبب أو دليل، أو الاعتقاد رغم وجود سبب أو دليل، أو الاعتقاد القائم على درجة من التبرير الاستدلالي، وعلى الرغم من الخلط أحيانا بين كلمتي الإيمان والاعتقاد، واستخدامهما كمترادفات إلا أن مصطلح الإيمان أعم وأشمل، ويشير إلى أن الاعتقاد متفرع منه قبل أن يكون درجات، فالإيمان هو فعل الشّجاعة الذي يترتب عن وعي مباشر ويكشف عن خاصيّة بواعثه الحركيّة، بجلاء أكبر، لأن الشجاعة المقصودة، تعني التأكيد الذاتي الجريء لوجود الانسان، وحيث توجد الجرأة والشجاعة توجد إمكانية الإخفاق، وهذه الامكانية حاضرة في كل فعل إيمان، إذ لابد من المجازفة، بغية المحافظة على (خاصيّة الباعث).

مع ذلك ليس الخلط بين الإيمان والمعرفة وحده هو المسؤول عن الصراعات بينهما، بل يكمن جزء من المسؤولية في حقيقة أن قضايا الإيمان بمعنى (الباعث المطلق) تتخفى وراء منهج علمي مفترض، وبدون ذلك يقف الإيمان ضد الإيمان وليس ضد المعرفة. بينما العقلانية ترى أنه ينبغي تعيين الحقائق عبر التحليل المنطقي والواقعي، وليس عبر الإيمان، أو الدوغماتية، أو التقاليد.

يتم الإيمان بفعل الاختيار أو الإرادة التامة، وهذا ما يتماثل تمام التماثل، مع ما ذكرنا عن استحالة الوصول إلى حقيقة الإيمان عن طريق الحجج والمرجعيّات، فلا الحجج من أجل الاعتقاد، ولا إرادة الاعتقاد يمكن أن يخلقا إيمان. ويصعب الأمر كلما ربطنا الإيمان بوصفه قضية عقل، أو مجرد إرادة، في دعم متبادل من كليهما إلى تأويل الإيمان بوصفه انفعالًا.

وقد أغرت كلمة (إحساس) كثير من الناس بالتفكير بأن الإيمان هو قضية انفعال ذاتية، مجرّدة من دون أن يعرف لها محتوى، يُخضع له. وحيث الإحساس ليس وحده منبع الإيمان وليس الانفعالي فقط، إنما ينطوي الإيمان بوصفه فعلًا للشخصيّة، على عناصر انفعالية قويّة داخلة في فعل الحياة، لأن الإيمان متناهٍ في اتجاهه وعينيًا في محتواه. ويدّعي الالتزام والحقيقة بتوجهه نحو اللا مشروط على وفق معاييره.(3)

 المراجع:

1ـ لسان العرب/13،ابن منظور، ص21

2ـ بواعث الإيمان، بول تيليتش، ترجمة سعيد الغانمي، ص /11، الطبعة الأولى، بغداد 2007.

3ـ نفس المرجع السابق، ص/49.

عرض مقالات: