لقد طرحت مدارس الفكر السياسي والإجتماعي مفاهيم المثقفين وادوارهم والادوار الفاعلة للمثقفين  ضمن مدى ارتباط المثقف باهداف أجتماعية وسياسية تجعل منه في مواجهة السلطة ضمن مفهوم (المثقف الثوري) و (المثقف العضوي) الذي يتصف بأضافة فعل  سياسي أو اجتماعي يجعل منه جزءاً من الرأيّ العام الذي يواجه السلطة السياسية . فهو المثقف المعارض الذي ينتظم عضوياً في جماعة ثقافية تغييرية، مثل الاحزاب والتنظيمات والجماعات الراغبة في تجديد المجتمع والدولة. فهو يرفض الانجراف نحو السلطة من خلال الامتيازات التي يتمتع بها المثقف حين يخدم السلطة ، فالسلطة لا تمنح الامتيازات إلا في ضوء مقتضياتها. فهو يهاجم  أسس السلطة الأخلاقية وجهاز دعايتها واستراتيجياتها العسكرية . ولكن هذه السمات تجعل حياته مقابل معارضته فما هو السبيل لجعل هذه المعارضة تعود الى تاريخ ومواقف سابقة بتاريخ هجري ماضي عن تواريخ ميلادية حاضرة وبعيداً عن أسماء حاضرة بكل جبروتها. ان التاريخ هو منقذ مواقف المثقفين في تناولهم لظلم واستبداد الحاضر المر الذي تعيشه مجتمعاتهم متمثلاً في الواقع السياسي او الإجتماعي او الإقتصادي . وتكمن صورة هذا المثقف المعارض للسلطة في د. عبد اللطيف الراوي في تناوله اطروحة جامعية أشرف عليها ( د. علي جواد الطاهر) نُشرت فيما بعد بكتاب يعد مصدراً مهماً في تاريخ مجتمعنا العراقي يكون الشعر وسيلة لدراسته ، لقد وضع الراوي القرن الرابع الهجري تحت مجهره بدراسته القيمة ( المجتمع العراقي في شعر القرن الرابع الهجري)(1) حيث يذكر د. فيصل السامر مقدماً لهذا الكتاب أن القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي ) شهد قمة التطور في المؤسسات الحضارية والثقافية (نهضة فكرية) في مقابل تدهور (  سياسي – أقتصادي ) ، وهو رأي الدكتور طه حسين في تقويمه للقرن الرابع الهجري في كتابه (مع المتنبي)(2)  حيث يصف حياة المجتمع العراقي  ( آخر القرن الثالث وأول القرن الرابع الهجري ) بـ ( فساد السياسة وفساد الأقتصاد ورقيُّ العقل) ففساد السياسة المتمثل بفساد (السلطة) تتفق عليها كتب التاريخ  والأدب فكان سلطان الخلفاء وانحلال أمرهم وخضوعهم المطلق لعبث الجند وقادتهم وسلطان الخدم والنساء مما ادى الى عجز السلطة المركزية في بغداد عن أن تجمع أطراف الدولة وتحزم أمرها مما قاد الى فساد الإقتصاد الإسلامي فما دام سلطان السياسة مضطرب فلابد أن يضطرب سلطان المال من خلال (باية الضرائب) فالسلطان به حاجة الى المال والرعية سيئة الظن في السلطان ، ترى ظلمه وبطشه ، وعجزه وعبثه ، فهي تظهر الفقر وتعلن الشكوى ، وتضمر البغض والكره لحكومة السلطان . فـالعداء مستحكم بين  (الراعي والرعية) كما أن اعوان السلطان يظلمون ويغصبون ، ويسرقون ويرتشون من أجل تأمين المال للراعي ولهم. فنحن أمام مجتمع (الأغنياء ) الذين لا تحصى ثروتهم ومجتمع (الفقراء) الذين لا يتصوَّر فقرهم. اما( رقيُّ العقل) فيذكر طه حسين كان العراق أخصب مراكز الحضارة النضجة الراشدة المثمرة . فيه التقت أكثر الاجناس التي تتألف منها الدولة الأسلامية أو أكثر الأجناس استعداداً للحضارة . جاءت اطروحات الراوي التي أتسمت  وعلى وفق ما ذكره فيصل السامر بالجرأة فآراؤه صائبة تحمل (المرارة والقسوة) فحين يشّخص الراوي دوافع الشعر وخصائصه في القرن الرابع الهجري نجده مشمئزاً . لنقف قليلاً عند مفردة ( الاشمئزاز) التي اشار اليها السامر ، في الواقع أن مصدر هذا الاشمئزاز هو الشعراء الباحثون عن المنفعة وعن المجد في ارفع صورة واحطها . اذن نحن امام مثقف  ( شاعر) سلطة ، فهذه السلطة المتمثلة في (الملوك والأمراء والوجهاء ). فمن حالفه الحظ توصل بشعره الى ساحة الملوك والامراء والوجهاء فارتفع شأنه وأمتلأ جيبه بالعطايا والهبات والمنح ، ومن جانّبه الحظ عاش بائساً يائساً يشكو دهره ويذم زمانه . فهناك فئتان من الشعراء:

الفئة الاولى : التحقت بالمجموعة الخاصة (الملوك  والأمراء والوجهاء)  فمدحها وتحصد الهبات المادية وتعيش مرفهة بين عطايا الذهب والفضة. فالنعم التي يتمتعون بها تميزهم عن أقرانهم من الشعراء وعن حياة العامة ، فتجعل منهم (خاصة الخاصة ). فالشاعر ليس له أرتباط عضوي مع طبقة معينة من طبقات مجتمعه ، ان ارتباطه متعلق بمصلحته التي تعمى عندهما الرؤية الواضحة فلا تجعله يّفرق بين حاكم جائر وآخر عادل ، فالحاكم عادل ما دام كريما في الهبة ، فان شحت يده عن العطاء ، فهو لا يستحق من الشاعر ذكراً ان سلَم من الهجاء والقدح. اما الحاكم فأنه يرى في الشاعر لعبة صغيرة تسد فراغه أو ببغاء يردد اقوالاً حفظها تنتفخ لها أوداج الحاكم أبهة وفخراً ، او آلة يستعملها عند الحاجة وينتقي منها الأجود ، والأجود عنده هو من عمل لمصلحته ورفع أسمه واشاد بمفاخره وثبّت اركان سلطانه . لم تكن السلطة السياسية بعيدة عن سيادة هذا النوع من الشعر الذي هو نتيجة العامل ( السياسي- الأقتصادي ) فوفرة المال بيد أقلية حاكمة ، و سيادة الفقر في أكثرية محكومة فتفننت الاقلية الحاكمة في البحث عن صور المتعة ، وجلعت من الأغلبية تتفنن في أشباع رغباتها . ومنهم شعراء هذه الفئات فالمصالح المادية أسس هذه العلاقة ، ولاسيما أن الحاكم الفعلي (البويهي) في البلاد ، فضلاً عن أن الخليفة منصرفًا عن شؤون البلاد إلى اللهو والفساد.

الفئة الثانية : ظلت هذه المجموعة ملتصقة بهموم الطبقة العامة التي مثّلت الغالبية الساحقة من مجتمع القرن الرابع الهجري، حيث تعبر عن هموم هذه الطبقة ومعاناتها وما الُحق بها من حرمان تعددت صوره بين الحرمان المادي (الاقتصادي) والسياسي فهي بعيدة عن ممارسة السلطة فضلاً عن الحرمان الأجتماعي فهي ضمن مجتمع (الهامش) . وبقى شعراء هذه الفئة محرومة من امتيازات شعراء الفئة الاولى . وذلك لان الأضطربات السياسية والأقتصادية وما رافقها من ويلات ومآسٍ أجتماعية عمّقت – ملتحمة- التناقض الطبقي العراقي وزادت من أظهار الروح الأستغلالية للطبقات المتسلطة والمنتفعة. فصاغ الشعراء كلمات سخط وانتقاد لاذع ، تناقلها الناس لشعبيتها وصدقها في محاكاة أوضاعهم وأحوالهم. ويطرح الراوي شعر البصرة أنموذجاً لهذه المعارضة، حيث تتمتع البصرة بـ( اللامركزية ) لضعف هيمنة السلطة في بغداد على أطراف الدولة ، فضلاً عن قربهم من الحركات الثورية بمختلف تسمياتها  (القرامطة والزنج وبابك الخرمي) وتحركات العيارين والعامة ضد مظالم السلطة وتدهور الحياة المعاشية وأستفحال المظالم واحساس الأنسان العراقي بثقل تراكمها حتى أصبح العراق( بيت الفتن والغلاء وهو كل يوم الى وراء ومن الجور والضرائب في جهد وبلاء).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) عبد اللطيف عبد الرحمن الراوي : المجتمع العراقي في شعر القرن الرابع الهجري ، دار النهضة ، بغداد ، 1971.

(2) طه حسين : مع المتنبي ، مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر ، القاهرة ، 1936،

عرض مقالات: