جاء في الأثر أن خياطاً قال لابن المبارك:

أنا أخيط ثياب السلاطين فهل تخاف أن أكون من أعوان الظلمة؟

فقال: كلا، إنما أعوان الظلمة من يبيع الخيط والإبرة. أما أنت فمن الظلمة أنفسهم.

سألني هل عكست القصَّة القصيرة التي يكتبها القصَّاصون في ضوء الاحتجاجات الشعبيَّة العارمة التي شهدتها العديد من البلدان العربية الوجع العميق الذي ألمَّ بهؤلاء الغوغاء، الرعاع، الدهماء، أو كما ينعتهم الاعلام الرسمي بأصحاب الصَّنادل المهترئة؟ قلتُ:

الفنُّ القصصيّ على العموم ليس فقط مرآة تعكس حال المجتمع، بل قد تظهر القصَّة المكتوبة بشكل جيد المخفي والمسكوت عنه، وتكون الحيلة التي يقاوم بها الخلق عسف السلطة وجورها واستبدادها وحكوماتها الرشيدة التي تُحارب المواطن في لقمة عيشه وتقتله عندما يتظاهر في الشارع العام. والقصُّ والحكايات والسوالف هي أحد أشكال الهمس والنميمة التي تستعملها العامة من خلف ظهر الحاكم، على حدِّ تعبير جيمس سكوت في كتابه الخطير (المقاومة بالحيلة- كيف يهمس المحكوم من وراء ظهر الحاكم) لأننا لو عدنا لمفهوم القصّ في المعاجم لوجدناه تتبع الأثر، أي قصّ أثره قصّاً تتبعه، والخبر أعلمه، ونحن نقصُّ عليك أحسن القصص، أي نبيّن لك أحسن البيان. والقاصُّ من يأتي بالقصّة. والكلمة عربية، وهي تذهب إلى تتبع الأثر المتروك في رمل الصحراء. والقصّ من أفعال الحركة، ومنها جاء المقصّ أي المقراض.

حركة الاحتجاجات التي شهدها الشارع العربي حاولت قرض أو قصّ الظلم والاستبداد من حياة الناس فيمكننا تأكيد فكرة تقول:

 هذه الاحتجاجات على امتداد الوطن العربي لم تستلهم قيمها ورموزها من الفكر السائد عند النُخب المثقفة التقليدية أو كما يصفهم هادي العلوي البغدادي: أهل الثقافة المترجمة -وأنا هُنا لا أُعيب هذه الاتجاهات الفكرية- ذلك لأن هذه العقائد الفكرية التقليدية بقيت في العالم العربي هامشية معلقة على جسم الثقافة والوعي العربيين لا جذور لها وحسب، بل لا تبدو في الصورة التي هي عليها قادرة على الردِّ على مطالب احتجاج عوام الخلق وفهم أبعاد هذه الاحتجاجات الشعبية المتعددة والشاملة. التي تبحث بدورها عن   تغير شامل في مفهوم شرعية السلطة. وتنسف بذلك تلك الأبنية القانونية التعسفية-المخالفة لأبسط حقوق المواطن والمُواطَنة- والتي حكمت المجتمع العربي وأوصلته إلى حالة العبودية بأبشع صورها.

وعوام الأرياف ورعاع المدن الذين يعيشون على هامش الحياة السياسية والذين تمردوا بطريقة فجَّة أرعبت أنظمة الحكم الشمولية لا يخافون من ذلك التغير الشامل -أكثر من القرد ما مسخ ربك- والذي سينقل المجتمع إلى باب الحرية التي بكل يد مضرَّجة يُدقُّ. بل ظهر الخوف جلياً عند المرعوبين من أهل الثقافة المترجمة وأهل السلطة. وبما أن القوى التقليدية لم يعد بإمكانها أن تتحول إلى منهل لقيم جديدة، معارضة وشعبية، وأن تواكب ممارسة متجددة وتقود تجربة تاريخية جديدة. إضافة إلى أنها عند تراجع النظام العام تراجعت معه وربطت نفسها به نظراً لخوفها من هذه الاحتجاجات الشعبية الفجَّة العارمة. والسؤال: كيف تنضج هذه الاحتجاجات في ظل تغول في القتل لا مثيل له؟

وقد جاءت بعض هذه المحاولات القصصية لتعبر عن واقع هذه الاحتجاجات الشعبية الواسعة ورصدها إلا أنها لم تصنع فرقاً واضحاً في مسيرتها وانحصرت التجربة في نخب ثقافية خائبة مقطوعة عن مهادها الحقيقي. فمن لا يستطيع أن يقول لأهل الظلم والعسف: كفوا، اخسأوا، ارحلوا، فهو عبد فاقد لحريته، والمعتقل الحقيقي هو من أعتُقل لسانه عن قول الحق، والحر الحقيقي هو من يقول كلمة الحق، ولو كان محبوساً بين الجدران قابعاً وراء القضبان.

وفي ظني ان الأغنية الشعبية والاهزوجة وقصيدة الناس والشعارات المكتوبة على اللافتات التي تُضمر سخرية وجرأة قاتلة من وجه الحاكم العربي القبيح وحكومته التي تقتل المواطن عمداً في مظاهرات الاحتجاج، هي المرآة الحقيقية التي عكست ما يختلج في نفوس العباد. وأتصور أن يحدث التحول في سلوك السلطة حين تنال الكلمة فعلياً من سطوتها وهيبتها أكانت هذه الكلمة قصَّة قصيرة أو طويلة أو كلاماً محفوراً على جدار ملطخ بالأصباغ في الأحياء الشعبية. وتزداد وطأة الكلمة وخطورتها حين لا تكتفي-أي الكلمة- بقول الحقيقة-كل الحقيقة للشعب شعار غسان كنفاني في مجلة «الهدف»- عارية بيد أنها تسعى في مُحاصر الحاكم وحكومته ومُراقبته واخترق عوالمه السرية منتهكة قدسيته المزعومة. وأود أن ألفت النظر إلى ملحوظة مهمة هي أن الوقوف مع الرعاع وإظهار أقوالهم المتداولة الفاحشة حول الحاكم العربي وحاشيته والتشجيع عليها والذهاب أبعد مدى في فضح أسراره، تدفعه ليكون أشد عنفاً ودموية في ردود أفعاله تجاه هؤلاء الرعاع ومن يقف معهم.

عرض مقالات: