يسحبنا الروائي فلاح رحيم في روايته الرابعة “الشرّ الأخير في الصندوق” من حرب شرسة تمتد على طول الشريط الحدودي بين العراق وإيران ليضعنا في حرب ثانية تستمد جذورها ومعناها وبُعديها الدلالي والرمزي في فضاء آخر اسمه “بغداد” بوصفها ملاذاً آمناً وخلاصاً من موت حقيقي ومؤكد على جبهات القتال. هذا المكان ـ بغداد ـ “الفاكهة المحرمة، الحلم المشتهى” ص 20 هو البؤرة المحركة لنص الرواية المليء بحس المعاناة والمسرات والصداقات والحب والإيروس، بغداد التي تشكل للجندي “سليم كاظم حسن” بطل الرواية على الرغم من سعتها هماً ووجعاً قاسياً في مواصلته لحياة يودها أكثر قيمة وعدلاً وحرية. ولكن إذا كان ثمة حرب تدور في جبهة ملتهبة تدخل عامها الثالث 1983، فهنا في بغداد حرب أخرى من نوع خاص، وكأننا أمام حرب تلد حرباً وتتناسل مع نفسها لتضع في الداخل حرباً لها أنماط وبنى ومظاهر وسلوكيات، صراع محتدم وبناء مزيف خاو هش يوازي أو يزيد على ما يجري هناك في السواتر والخنادق والملاجئ، حيث الموت السريع الثابت، فيما المتحول/ بغداد هو الموت البطيء لسليم أو هادي كلا الموتين على يد سلطة البطش القوية القاهرة للناس الذين خنقتهم وخنقت فضاء مدنهم بالأرامل والثكالى والأيتام وبسواد لافتات قتلى الحرب. هذه الحرب بحسب الرواية “اندلعت من ثقب في جدار القمع الأصم فخنقت الجميع.” ص 24

يتصدر الرواية اهداء يُعلي من شأن الوالدين في دفاعهم الذي لا يعرف اليأس عن وجودهم مع الأبناء في محنة (مِحن) تحاول سرقة أحلامهم وكذا أحلام الأبناء “إلى أبي وأمي، قلّبا المحنة على كل وجوهها إلا اليأس” ص 5. فإذا كان ثمة أمل يسربه الاهداء بديلاً عن حالة اليأس، فالعتبة النصية المستلة من فيلسوف الشك والارتياب فردريك نيتشه تعقّد الاهداء أعلاه وتحاول اخضاعه لطبيعة ونواميس الشرّ النيتشوي بوصفه “الأمل” الممنوح من الاله زيوس للإنسان. هذا الأمل هو في الواقع الشر الأكبر عند نيتشه لأنه يطيل أمد عذاب الانسان ويكبل خطاه نحو حياة أفضل (انظر ص 6).

الإطار العام لهذه الرواية هو تحرك كتيبة مقاومة الطائرات من مكانها ميسان إلى بغداد لحماية الطاقة الذرية، يرافق هذا التحرك عودة منتسبها الجندي سليم إلى محل سكناه في بغداد/ البياع. ثمة عقبة خطرة تقف حائلاً دون رغبة سليم بهذه العودة، فهو مراقب من شرطة الأمن كونه شيوعي له ارتباط بالحزب مسجل لدى أمن مدينته وقد طورد أغلب عناصر الحزب وتمت تصفيتهم بعد انفراط عقد الجبهة الوطنية مع الحزب الحاكم.

تطرح الرواية السؤال التالي: هل ستكون عودة سليم إلى بغداد تصفية حساب مع الطغاة؟ هل هي عودة جديدة (ثانية) لحرب جديدة (ثانية) ولا تمت بصلة إلى الحرب الأولى التي تخوضها البلاد منذ عام 1980؟ حتماً هي حرب ثانية إلا أنها هذه المرة مع أجهزة القمع الأمني وقد بدأت منذ وصول سليم البيت ونصيحة إنعام له أن ينزل إلى الشارع للتخلص من سخام الخاكي بالترويح عن نفسه، ثم نصيحة صديقه ستار له أن يستثمر عودته إلى بغداد بما يعود عليه بالنفع. ص 60 في إشارة إلى مواصلة دراسته العليا، ولعل ستار هو نقيض سليم (إن قبلنا بهذه المعادلة)، فقد عقد ستار “هدنة انصياع” كما في الرواية مع الحزب الحاكم فانتمى إليه تجنباً للمخاطر التي عاشتها عائلته بسبب سجن شقيقه الأكبر الشيوعي، لكن العجيب الذي سنطلع على أسبابه فيما بعد أن سليم بدأ يفكر بالانتماء إلى البعث طلباً للسلامة في وجوده حياً وتخلصه من الموت على الجبهة الأمامية إذا ما تمت إعادته إلى هناك بسبب انتمائه للحزب المحظور، فضلاً عن حرصه على أن يجنب عائلته الخوف والموت الذي يفتك بها منذ مقتل شقيقه كريم في الحرب. نكتشف بعد قراءة مركزة لهذا التأرجح في موقف سليم الذي يضعه هذه المرة “مشابهاً” لا “نقيضاً” لستار أن تفكيره بالانتماء إلى البعث ما هو إلا مجرد “لعبة” كما يطلق عليها أكثر من مرة، يعد نفسه لها كي يلعبها مع رجال شرطة الأمن، لكنها بالنسبة لنا “معركة” وهي كذلك بالنسبة لسليم نفسه لأن الضرر قائم ضده ولابد من مواجهته عبر “معركة” لا تقل ضراوة عن معارك الجبهة.

إذن هي معركة بين خصمين لدودين، ساحتها بغداد تُدار في حيز ضيق منها (مدينة البياع) مركز انطلاقه ووجوده على الأرض، وهو الشاب الأعزل الذي يستنشق هواء بغداد العكر المحمل برائحة تراب الحرب في مواجهة نظام ديكتاتوري يعتاش وينمو على إراقة الدماء.

هذا هو الإطار العام الأولي لرواية “الشر الأخير في الصندوق” وكأن ما يحدث شبيه بما حدث في محاكمة كافكا لبطله “جوزيف ك”، ففي صباح يوم جميل يقتاده شرطه “بلا تهمة موجهة ضده” للمثول أمام المحكمة، ثم يطلق سراح جوزيف ك مع مراقبة مشددة ومع السماح له بالذهاب إلى عمله في المصرف. وكما يحدث لسليم المطلق سراحه أصلاً (وجوده في بغداد “فرصة لا ينعم بها الكثيرون” ص 231 كما يرد على لسان مسؤول المكتب الأمني في إشارة نفهم منها أن سليم مطلق السراح لم يعتقل أو يسجن بعد). كذلك يتمتع سليم ـ كما هو جوزيف ك ـ بالتجول في الشوارع وزيارة الأقارب ولقاء صحبة الأمس (ستار ويوسف والحبيبة هدى) وهو ما فعل جوزيف ك إذ التقى حبيبته الأنسة بورشتنر. ولكن إذا كان جوزيف ك بلا تهمة فتهمة سليم كما يبدو هي في عقله وفكره وانتمائه العقائدي، وهي تهم كافية للإطاحة به وأقصائه من وجه الحياة التي يجب أن تعاش مهما كلفه الأمر لتمضي الرواية تتحرك في فضاء قائم على الخوف. ترافق هذا الخوف كتلة “أمل” حارة ـ تتردد كلمة أمل عشرات المرات ـ في أن ما يحدث هو “نكتة سمجة” ستنجلي في قادم الأيام، أو هي “دعابة” بطليها سليم وكلاب السلطة الحارسة عرش الطاغية التي تستدعي سليم في مقر وحدته وفي أمن مدينته لبيان موقفه السياسي.

لو عدنا إلى مفردة “الأمل” التي طالعناها كثيراً في متن الرواية لعرفنا أنها الرد الكفيل بإزاحة أدران اليأس الذي ينتاب شخوص الرواية بدءاً بالأب والأم، كما مر بنا في الإهداء المكرس لهما، وفي شخص سليم الذي يتطلع إلى حياة أرحب، في لوحة الفنان كلود مونيه الخضراء وفي جسرها الذي يقطع اللوحة نصفين ليصلها بـ “الأمل”! وهو “الأمل” المشبع بالتفاؤل في رسالة كريم إلى علياء لتصدح هذه المفردة تسع مرات فيها، كذلك عند إنعام شقيقة سليم وهي تحث أخاها في مواجهته الصعبة. كذلك يتمثل “الأمل” عند رفاق العقيدة ـ رفاق سليم ـ شهاب ونعيم وديوان وسرور وفائز وفيحاء وهم يعبرون قابضين على “الأمل” أملهم متسللين إلى خارج الوطن لمواصلة كفاحهم المسلح ضد الطاغية الذي أخرجهم من ديارهم.

يهتم الروائي فلاح رحيم اهتماماً كبيراً ببناء ورسم شخصياته ليقدمها وكأنها من لحم ودم، عاش معها القارئ أو مر بها أو تكلم معها، وليكن أول منطلقنا شخصية الأب، فمن منا لا يعرف هذا الأب الذي يجمع ما بين الفعل والهدوء، القلق والتوتر كلما رأى أبنه سليم. أما الأم فهي في السرد الذي يراكم الأحداث بصددها شخصية قوية بين جدران بيتها، ترتدي ثوب الحداد الأسود لفقدها كريم، ابنها البكر الذي أيقظ أمومتها شهيداً في الحرب. في أعقاب عودة سليم تغير أثاث غرفة كريم بجديد آخر وكأنها في تصرفها هذا تتحدى قوة غاشمة برغم مرضها بالربو وضغط الدم، تنام في غرفة المخزن الضيقة ذات النافذة التي هي بقدر كوة صغيرة في الجدار، تزور الأولياء الصالحين وتقدم النذور من أجل أن تُحل إشكالات سليم مع شرطة الأمن. وفي ضعفها وانكسارها (والضعف حالة إنسانية عامة) تذهب إلى شقيقها سلمان (الكادر المتقدم في البعث) لكي يقف مع سليم كواسطة في محنته مع الأمن! وتقف بالمثل شخصية علياء أرملة ابنها كريم التي تحتفي بختان ولديها التوأمين مباركة رجولتهما، ولأنها تخشى أن ينبض جسدها بالحياة والرغبة بعد موت زوجها كريم تمضي في كبح هذه الرغبة أو ترويضها من هذا الهاجس! لتعقد سلاماً أو اتفاقاً مع نفسها وجسدها متفرغة تماماً لبذرة كريم التوأمين علي وعمر اللذين زرعهما في رحمها.

شخصية سبتي، وهو بحسب الرواية الجار اللدود وكاتب التقارير ضد سليم الذي يذهب إليه في خضم مواصلة لعبته/معركته لأجل أن يكف عن كتابة تقاريره فنقرأ وصفاً مكثفاً يحمل في دلالاته اللغوية ومعانيه ما يؤكد على ثنائية القوة/الضعف؛ القوة عند سليم حاضرة في النص تتمحور من خلال لغة مكتنزة بالرمز استجابة لمثيرات اللقاء/ المواجهة مع الانداد. لنتابع: يصل سليم إلى بيت سبتي وهو يرثي لحال النكرة البياعي المختفي الآن. “باب الدار صغيرة جرباء تغوص تحت مستوى الشارع”، “تستقر فيه [سليم] غريزة الدفاع عن أجمل ما يستحق الحياة فيه” ليفتح الباب عن وجه سبتي وقد “أضفى وقوفه دون مستوى الشارع ظلالاً قاتمة على وجهه” ص 287 كونه قصير القامة يقف على دكة الباب النازلة عن مستوى الشارع. عندما ينقل جسده ليقف إلى جوار سليم الأطول منه “لم تنكشف ملامحه لسليم بوضوح من انتقالته هذه” فسليم أطول منه وأكثر نحافة، لديه القدرة “على ترويض هذا الكلب الذي أفسد حياته” الفصل 40 ص 286 ـ 291.

يحار القارئ بشخصية هدى وهي الأرملة الشابة الجميلة التي فقدت زوجها الطيار حارث في الحرب، وهي زميلة الدراسة مع سليم والحبيبة له في الجامعة وفيما بعد: هل هي بالضد من مفردة الأمل؟ هل هي الحب المستحيل ضمن واقع قاس وصعب يسلب الحب من القلب والروح ولا يجد فسحة تستوعبه؟ ثم كيف نفهم زيارتها لبيت علياء أرملة كريم، هل تستمد من علياء القوة في كبح الرغبات (إشارة لسليم) لتعيش في حزنها؟ هل تستمد القوة كلما زارت منطقة السيدية محل سكناها مع حارث ومحل سكن علياء؟ لكن تبقى هدى العنصر الإيروسي الذي يبدد قتامة الرواية، وهي أيضاً مطلوبة حتى يغادر سليم خوفه إلى القوة في مواجهة قبح السلطة الذي يقاومه بهدى مثالاً وروحاً وجسداً، لتبقى في وجدانه أحد أوجه الأسرار التي تكمن خلف لعبته/معركته مع الأوغاد بالرغم من كونها إحدى ضحايا حرب الطاغية.

أما شخصية كريم فهي الأكثر قوة، وهو الغائب الحاضر في أحاديث العائلة، الحاضر في شوارع بغداد حين يتجول فيها سليم، الحاضر في حرم الجامعة وفي غرفة شرطي الأمن، في رسالته إلى زوجته علياء يوصيها أن يكون [هو كريم] مبعثاً للفرح كلما خطر على بالها، أن يكون مصدراً للحياة بدلاً من الموت والحزن، وأن تكون حياتها واسعة وثرية ما أمكن وأن تحوّل الحزن إلى جزء صغير من حياتها لا يلغي ما عداه برغم داء السلطة الذي ينخر بالناس أجمعين، ص 266 ـ 271. تفجر هذه التنصيصات على لسان كريم في بنيتها الدلالية العميقة الدالة روح التحدي في صوغ معالم الانسانية بوجه السلطة التي لا هم لها سوى البقاء والإصرار على المحو والهدم والموت.

تنتهي الرواية بنهاية الحرب العراقية الإيرانية بعد ثماني سنوات في مشهد يذكرنا بالملاحم، حشدَ فيه الروائي فلاح رحيم الإمكانات السردية الرائعة التي يمتلكها ليجمع الجلاد مع الضحية، الظالم والمظلوم، في مكان هو ساحة الاحتفالات وزمان لا يمكن نسيانه (8/8/1988) حضرت فيه جموع الشعب المحتفلة بنجاتها من الحرب. كان الطاغية المستبد حاضراً في المشهد/ البانوراما ملوحاً بيده للناس التي شملتها هستيريا جماعية. حتى سليم كان حاضراً هناك يحاول أن يجتاز الزحام والصخب بعد أن رأى أرواح الشهداء تحوم أيضاً هناك، وهم الجنود قاسم وصادق وخاله سلمان وشقيقه كريم، رأى الثكالى والأرامل والأيتام.

أخيراً نتساءل ونحن نطبق دفتي هذه الرواية المهمة “الشرّ الأخير في الصندوق” لـ “فلاح رحيم” تُرى أربح سليم معركته/ لعبته مع خصومه وحقق حلمه في إقامة حياة جديرة أن تُعاش، أم أن حياته كانت مشروع خسارة كبيرة لا ربح؟!

-----------------

*الشر الاخير في الصندوق/ رواية فلاح رحيم. اصدار دار الرافدين- بيروت.

عرض مقالات: