تتسم تجربة الشاعر ياسين طه حافظ في جوانب كثيرة منها، بسمات الشعر المحلق المتحرك الذي يطل علينا من شاهق، بمعنى انه رحلة كشفية محلقة، يبرع الشاعر بتحريك روافع التحليق فيها باتجاهات متعددة وآفاق فسيحة، وبموجب ذلك فان الوقت لم يطل بنا كثيراً لنكتشف إن الشاعر ياسين طه حافظ هو من اكبر دارسي الطبيعة في إنتاج الشعر العراقي، لدرجة إن حفريات المعنى والدلالة لديه لا تنجز إشتغالاتها على الأرض فحسب، بل في الأجواء والأعالي أيضاً، إلى الحد الذي يجعل دلالة أية مساحة أرضية حتى وإن كانت حجراً فأنها تتخذ شكلاً شراعياً محلقاً، ولذلك فنحن لا نجد في اشتغالاته سوى حاجته للحركة والتحليق والدوران، فلا ضير إذن لو نظرنا إلى قصائده بمقياس ما ينظر إلى الكواكب السيارة، لما تضفيه هذه النصوص من حركة دؤوبة لكائن لايهدأ ابداً، ولعل هذا الكائن الشعري هو الأكثر تنقلاً وحركة في مجموعته (ما قاله آخر الخطباء) حيث يذهب بعيدا ليصل إلى درجة معينة من درجات التخييل ليضمن الوصول بمحاذاة ما يمكن تسميته بــ (استحالة التخييل) والتي هي بالأحرى تخييل آخر يحرز صفة التقدم على (التخييل) الذي يتقن المراوحة ولا يتوق إلى بلوغ حدود افتراضيه لممكناته، وهو أمر يعني إن الفضاء الافتراضي للتخييل يمثل في حقيقة الأمر قراءة أخرى للتخييل ذاته من قبل الشاعر وان هذه القراءة قائمة على إمكانية حضور ما وراء التخييل لمصلحة توسيع البناء التخييلي باتجاه مديات أُخر، ينقل الشاعر عن طريقها إنطباعاً يفيد بأن الشعر هو وحده الذي يتنبأ بالمتغيرات الخفية في الطبيعة، فهو مثلاً يأخذ دور ترجمان الكلمات التي يدلي بها جسد شجرة راقصة في مهب الريح، فيما ينبغي التأكيد بأن اشتغالات ما فوق التخييل بوسعها أن تمضي قُدماً بدفع الكائن الشعري إلى حركة مكوكية، وهذا ما نجده في طائفة من الكلمات التي تعد وسيلة لتحليقات هذا الكائن مثل (الغيوم والريح والعراء والجناح والأشجار والعاصفة) وكثير مثلها.

إذن يمكننا الافتراض إن نصوص المجموعة مشدودة لمقتضيات البيئة التي لا تقاس إلاٌ بمعيار عام هو الشعر، وبالتحديد ما يرقى إلى مصاف المغامرة إنطلاقاً من إن (مبدأ المغامرة هو مبدأ الحرية) التي بمقدورها أن تتعدى مديات وحدود (التخييل) إذ ليس غريباً أن يطرح اللاتناهي في النظرة إلى الطبيعة فرصاً مهمة لإتاحة إضاءة عوالم الإبهام فيها، لاسيما وإن ما يستجليه الشعر هو هارب من كل عين وخفي عن كل بصر، انه الشئ الذي بوسعه أن يوفر الطابع التوليدي لتدوير المعنى والدلالة نشداناً للقصيدة التي لا يمكن إنهاءها، وإذا ما توقفت لاستجلاء أمر ما فأن توقفها هو بمثابة استئناف لدوامها، بمعنى إن أية نهاية بإمكانها أن تعيد إظهار البداية مجدداً طلباً لإتمام سيرورتها:

الثلج ما يزال في قبعة الجبل

وخمس زهرات هنا تجرأت واطلعت رؤوسها

قد وصل الربيع سراً، مدٌ ناره لها

وخبأ الياقوت

بين غصون التين أو في خصل السرخس أو في عشبة

مجهولة تطلع كالزائر كل عام

يقترب الربيع من بيوتنا ونحن قرب النار

لا احد يدري به

يمرر الومضة بين صخرة وصخرة

إلى أن يقول: .......

وفوق هذا الكتف الحجر

غامر غصن فستق

ينهض من نقاهة يرعش في براعم جديدة

فزجرته زخة من المطر

إذن كل شئ يمر عبر جسد الطبيعة أملاً في الكشف عن دلالة بعيدة التصور، وإنطلاقا من هذا الاختيار نجد نصوص المجموعة تستهويها الأقدام التي تضل طريقها لتذهب بعيداً، وبالتالي يكون بإمكانها الوصول إلى مفاتن جسد الطبيعة الجديرة بالتعري، ومعنى ذلك إن الأداء الشعري في مجموعة (ما قاله آخر الخطباء) يكمن في الحركة لا في السطور المكتوبة، يضاف إلى إن الشعر في المجموعة ليس قائماً على تلبية حاجة آنية وإنما قائم على تأكيد قيمة، استنادا إلى إن ثمن الشيء ليس الشكل الدال على قيمته، وجلية الأمر إن الشعر هنا يدخر قوى الطبيعة بأكملها، محاولا إدراك وظيفة أخرى له تتمثل في انه عامل اكتشاف لموجودات وأشكال وأحاسيس ماثلة في مجهولية الأشياء المألوفة، وما يبدو واضحاً إن قصيدة ياسين طه حافظ تنمو دون ان تبلغ سن الرشد، وما تمردها هذا وتيهانها في الأرجاء إلا جزء من مغامرتها التي تغنينا إدراكا بان الشعر أذكى من الطبيعة بكثير،

ما دامت مكوناتها الدلالية قادرة على خرق مظاهر الصلابة أينما كانت، فهي بمقدورها أن تعرض لنا الأحجار التي لها أشكال حية نابضة، في الوقت الذي تسمعنا بوضوح الإيقاعات الخفية في الأمكنة، أي إنها ترينا بما لا يقبل الشك الارتجال الجمالي لعناصر الطبيعة، وليس علينا بعد ذلك سوى القول: إن الإنسان والشعر في مجموعة (ما قاله آخر الخطباء) هما نتاج التشارك مع الأخطار:

غاب صوت الريح

وأنا في الغابة محتجز، سيجيء الظلام

ويأخذني

الظلام يغطي السفوح

يغطي الدكاكين يغطي بقايا الشجر

والمدينة صامتة

تتلامع، تبرق، تغمض أعينها

هذه البلدة عالقة كلها فوق سفح

وتسكب أبراجها والبيوت وأشجارها

والمصابيح ...

إلى جوف وادِ

إلى هوة لا تُرى وسوادْ

لاتسعى نصوص طه ياسين حافظ إلى إخلاء نفسها من قبضة الطبيعة ومتاهاتها، إنها تجيد تشمم الأثر للإيغال بعيدا، قاطعة على نفسها طرق التقهقر والعودة، ولا عجب في إن معظم نصوص المجمعة لا تترك برهة واحدة في السهو عن الطبيعة ونسيان وجودها مواصلة سبر مخفيات غناها وتنوعها عبر تجوال دائم في الشساعة اللامتناهية التي لا يختمها أفق، ما يستلزم وجود نص متشعب لا يقيد إرادته بمركز بؤري واحد، فالنص عبارة عن مقادير مختلفة يتعلق وجودها على الدوام بوجود شيء آخر ملحقاً بها، وأمر كهذا إنما هو عبارة عن باعث شعري مختلف يحضر كأحد شروط تكون النص، على اعتبار إن التشعب في نصوص المجموعة لا يعرض استطراداته إلا بوصفها مثار رؤى متجددة، في الوقت الذي تسهم اشتغالات ما فوق التخييل في مساءلة ثوابت الطبيعة ومحاولة تقويلها، وتبعاً لذلك فأن النصوص لا تُقصر اشتغالاتها على التوصيل المرئي للصورة فهي بقدر ما تجعل من الصامت متكلما تنجز في الوقت ذاته اشتغالاً مفارقاً داخل التجربة الشعرية ذاتها، وبموجب ذلك يتحول الشعر إلى مفهوم عمل تكون الطبيعة والشعر طرفان منتجان فيه، إذ بمقدور اشتغالات النص المتشعب أن تؤمن حضوراً لافتاً لعناصر الطبيعة بأكملها وفي جميع الأمكنة لدرجة إن الأمكنة الشعرية في النصوص، أينما كانت، بمقدورها أن تمثل جسد الطبيعة ولسانها:

الماء في المساء

يخسر شيئاً، وجهه يسود

فيستدير يطفئ المرايا

حشائش حائرة

تريد أن تغادر المكان

وقفت ساكناً

هل استطيع أن

أواجه انكسار ذلك الزجاج

وأن أرى السماء

مطفأة

مطروحة كخاسر

على فراش الماء ؟

*

أيتها الحياة

أنهضي

أيتها الحياة

لكنها الغيوم

ترسم في الفراغ

خرائطاً

وتكتب التاريخ في الهواء

نفهم من ذلك إن الطبيعة لدى الشاعر ياسين طه حافظ هي بمثابة مكان للتواصل الشعري، لكنها محل نظر وتردد، ناجم عن تلك اللحظات التي تُبدل فيها الأشياء مواضعها، ويسود التبادل بين أنظمة الحركة في مكان ما، غير إن الشعر يمضي ولا يحتجب ومن ثم فأنه سفر بلا مهمات يجمع في فضائه ألاشتغالي تمازجاً لا ينفك بين الألوان والأشجار والأصوات والكائنات، إنه من بين الشعراء الذين ترشدهم أخطائهم فتجعلهم يجولون في الطبيعة من طرف لطرف عازمين على ارتياد الأمكنة المستحيلة.

عرض مقالات: