عندما أفكّرُ في (الأنوثة المشوّهة) تتبادر إلى ذهني دائما صورة امرأة لا تحبّ نفسها ولا ترغب باستكشاف حقيقة ذاتها، تلك الحقيقة التي غالبا ما تكون مخبأة في الظل بسبب شعورها بالذنب ووصمة العار وغيرها من مشاعر وتراكمات تشابكت واندمجت مع معتقدات المجتمع وأفكاره المسيطرة حول كيف يجب أن تتصرف أو تفكّر أو حتى كيف يجب أن تشعر!!

فهي ليست واثقة عند اتخاذ القرارات أنها ستحترم وجودها وتعبّر بصدق عن ذاتها. بمعنى آخر، أن بها حاجة دائمة لأي تأثير خارجي يدعمها ويساندها حتى لا ترتكب -كما أعتقد أنا وغيري من النساء- جريمة تغيير واقعها بأي شكل من الأشكال.. فهي تسير في طريق لا يخصّها.. لا تعرف توجهاته، وهنا ستصادفها الحواجز والتقطعات والزحامات. ومن ثمّ سيشكل وجودها تهديداً.. لأنّها ببساطة تمشي في طريق غريب موحش لا تعرف تضاريسه المجهولة.

إنّ الأنوثة المشوّهة. ترسّخُ غالباً بداخل كل امرأة بأن عليها أن تعمل بجدية أكبر وأن تفعل كل شيء للحصول على أهمية ما، فالصراع الذي يتأرجح بين العدوانية والسلبية، هو ذاته الصراع الذي يغذي تشوهاتي.. بيد أنّني أفشل دائما في رؤيته وهو يشكلني ضحية تتخذ خياراتها وتعرض سلوكياتها بوعي أو بغير وعي.

فتشوهاتي كأنثى مخيفة، فوضوية، وتتلاعب بعاطفتي لتلبية احتياجاتها عبر قناعة الآخرين.. لقد كانت تأتي في بعض الأحيان خاضعة ساكنة، ضعيفة، وفي أحيان أخرى عنيدة، مدمرة ومن ثمّ، فأن قوة تشوهاتي استمدها من خارج ذاتي.. من الآخرين، ولكن بدرجات متفاوتة، اعتمادا على مقدار جروحي التي تجعلني امرأة تفترض أنّها جزء من “التشوهات” نفسها وتقوم بتجسيدها بعدوانية.

وكأن هذا نوعا من القتال، حتى أنني أخفقت في تحديد الفرق الدقيق بين امتلاك جسدي واستعماله، بين الضعف والمقاومة.

في أعمال الخيال الجنسي الذي يظهر بصور أشكال أنثوية مشوّهة، وكذلك تجارب الرسم الآلي و(الجناس الناقصة) للفنان الألماني هانز بيلمر (1902-1975) الذي اشتهر بصناعة سلسلة من الدمى الأنثوية وتصويرها منذ منتصف الثلاثينيات.

في هذه الأعمال التي يقال إن من حفزته لصنعها سلسلة من أحداث حياته الشخصية إذ ينسب الفنان الفضل لوالده في إثارة أزمة نفسية لديه جسدها فنيّا في الدمى، حيث كان تمرد الطفولة والاستياء تجاه سلطة أبوية قاسية منهله الأول.

وهنا أتساءل عن ما يمكن أن تنقله دمى هانز بيلمر فهل يمكن أن نعتقد أنها تأييد لإيجابية الأنثى؟  وهل ستؤدّي إلى تحديد الفرق العميق بين امتلاك الجسد واستعماله؟ هذه هي المشاعر الذي تفرضها التشوهات في الشكل أقصد الجسد.. الجسد الذي لا ينفصل عن المشهد السلبي.. لمجتمع، تنشّطت فيه الجروح والندب.

أخيرا يمكن أن نقول إن الأنوثة المشوّهة تتعلّق بكيفية اتخاذ القرارات بشكل عاطفي خالص من دون ارتباط بالعقل والعقلانية، ومن دون تجاوز كلمة ضحية. فالأنثى التي تضع نفسها طواعية هناك، لا تتمكن من التمييز بين الحاجة أو الميل إلى التلاعب العاطفي، بل الاعتراف بأن ديناميكيّات الشعور بالخزي الجسدي هي الأصح.. إنها تدعونا للتعامل مع معايير (تدمر في النهاية احترام الذات) ولذا نجد في أبسط الأمثلة على الأنوثة المشوهة هو خوف المرأة الدائم من الشيخوخة.

إنّ الشعور بالخزي الجسدي يتحكّم في رؤيتنا تجاه جروحنا التي نظنّ أنّها أزلية مهما كانت بلا آثار أو بقايا ندب، هي تشوهات متأصلة في نفوسنا أفقدتنا تلك النظرة الطبيعية تجاه أجسادنا. فصرنا نراها مشوهة مراراً على الرغم من أنها سوية وغير معاقة.

عرض مقالات: