ذيليون

بحسب ما ورد عن دارون فإن الإنسان كثيرًا ما يحنّ إلى ذيله، وعلى وفق هذه الرؤية الحنينية الخالصة اجتمع الذيليون على مقربة من إحدى الغابات معلنين عن تشكيل نواة لتنظيم جديد عُرف فيما بعد بـ (تنظيم الذيليين الجدد) ما لبث أن اتسعت رقعته وذاع صيته في أرجاء المدن الحالمة. ذات فجر، وكما جرت العادة في كل انقلاب، وبعد التأكد من خلود قادة الفرق الموسيقية الوطنية للنوم بعد إحياء حفل سيمفوني بهيج امتد إلى ما بعد منتصف الليل، أعلن الذيليون تمردهم على الشرعية في جمهورية (كستاليا)(*) الشعبية منهين بذلك عهد الوعي والرخاء الذي كان يقوده الثوري الفذ (هرمان هيسه) والاستيلاء على جميع مفاصل وبنى اللعبة التي كان يديرها عبر كريات وعيه الزجاجية كاشفين عن عهد جديد أطلقوا عليه (لعبة الرقصات الذيلية) واضعين بهذا حداً لمسيرة تطور حافلة بالإنجازات التي توصل اليها قائدهم.

(*)(كستاليا) مدينة ورد اسمها في رواية «لعبة الكريات الزجاجية» للكاتب الالماني “هرمان هيسه”.

وشايات

عندما وشى برفاقه ذات سقوط، كان القلم في جيبه يصغي بصمت مرير. وقبل أن يجتاز البوابة الرئيسية لمبنى دائرة الأمن بعد التوقيع على وثيقة قدموها له تعثّر بصنيع ما فعله. استغلّ القلم سقطة حامله وهمّ هاربًا من الجيب الذي امتلأ بأوراق خضر لم يكن يألفها من قبل. أخذ يتدحرج خارج الأسوار، وما إن أصبح في الشارع حتى تنفّس الصعداء. على أرصفة ساحة الميدان كان ساهمًا مع مجموعة أقلام تنتمي لأجيال شتى يرقب المتبضعين الذين أدمنوا المواظبة على التجوّل في السوق صبيحة كل جمعة. لم يمر وقت طويل حتى التقطته يد شخص عارف بأنساب الأقلام بعد أن أدرك بفطنته بأن لهذا القلم قيمة ليست بالضرورة القيمة الكامنة (بسلايته) الذهبية ولا بالماركة التي ينتمي إليها، إنما قيمته بهيبته التي لا يعرفها إلا الكتّاب المجيدون، الكتّاب الذين خبروا سرّ الكلمة المصحوبة بجمال الموقف. أُشُتري القلم دون مساومات، ونادرًا ما يحدث مثل هذا الأمر لأن السوق لا يؤمّه إلا المعوزون.

ذات مساء وفي ذروة سعادة مقتنيه راح القلم يسطّر بنشيج مرّ كل ما جرى من وشايات أودت بحياة الكثير وسط دهشة مالكه الجديد.

أطياف النهر

ما إن انتهينا من مراسيم استخراج الجثث من مدفنها الجماعي حتى وطأت أقدامنا الباحة النهريّة للقصر المشؤوم. ارتعدت فرائصي ورحت أضربُ كفًا بكفّ من فرط الألم. كان دوي الرصاص واستغاثات الفتية الذين استدرجوا لهذا الفخ الدموي ما زالت عالقة بالمكان. أرتقي السُلم الرخامي المؤدّي للشرفة المطلة على الدكّة. من علو رحت أدعو الجموع لمشاهدة ما كان يتراءى لي تحت فضاءات الجسر الذي هدّ دعائمه القصف.

ذوو المغدورين أوقفوا عويلهم، الشعراء كفّوا عن إلقاء قصائدهم، مصورو الفضائيات أنزلوا كاميراتهم من فوق أكتافهم، وجوقة موسيقى الجيش، هي الأخرى، كفّت عن عزف المارشات الجنائزية، وصاروا يرمقونني بانشداه.

- ها هم هناك يلوّحون لنا...

رحت أصرخ. كانوا يضحكون رغم الألم الذي يعتصر نفوسهم. عدتُ أدراجي الى الدكّة مخذولاً. لم يكن بإمكانهم تخيل ما جرى، والتسليم بأنني رأيت أرواحاً ضاجّة، طفت فجأة وأخذت تجوب فضاءات النهر، أرواح أزهقت غدرًا، أجل غدرّا وهي تنتظر من يوصل أبدانها للجنوب كي يلتئم جمعها بوادي السلام. عادت الموسيقى لجنائزيتها المفرطة، العويل يزداد تفجعًا، والشعراء يهيئون مراثيهم. أما أنا فلم يعد أمامي سوى أن ألقي بنفسي من ذات الدكّة التي ألقي منها ولدي إلى النهر مضرجًا بدمه علني أعرف من صحبه الواقفين على الماء كم يستغرق سير الجثة من هذه الأصقاع الى البصرة.

إبداء رأي

أغلقتُ الكتاب، ورحت أشاهد فلمًا سينمائيًا قصيراً طلب مني أن أبدي رأيًا فيه. كان الوقت متأخراً بعض الشيء عندما قُطع التيار الكهربائي عن الحي، لم يكن في الصالة سوى لمب يعمل بشاحن ذاتي، راح يُلقي بضوء شحيح. لم ينقطع الفلم بل استمرت أحداثه عبر سيل الأخيلة التي غمرتني. قرقعة لأعقاب بنادق، صوت مزلاج ضخم يفتح، وأشخاص يُقتادون عبر ممرات طويلة، لمحت بينهم شخصًا يشبهني غير أن الهوّة الزمنية التي تفصلني عنه بعيدة جداً.

قلت: قطعاً لم أكن أنا.

بدا وكأنه يرسل عبر الكاميرا نداء لي. كاد توازني الذهني يختل لولا صياح زوجتي المريضة، وضحكات ابني المتخلّف عقلياً، التي بدت لي جزءًا من المؤثرات الصوتية للفلم. تعالى نشيج زوجتي فكاد يفسد عليّ متابعتي للأحداث. كنت على وشك تعنيفها لولا أني رأيت يد شبيهي تمتدّ لتكفكف عنها دموعها، تلبستني حيرة مخزية وأنا أنظر لليد التي هدّأت آلام زوجتي. لم يمهلني زوار الفجر فرصة معاقبته على فعله المشين. همّوا مسرعين اجتازوا العديد من الأبواب الحديدية مصطحبين معهم عددًا من الأشخاص الذين تمّ حشرهم بأقفاص مموّهة، وما إن تجاوزوا نقاط المراقبة حتى أخذت العربات العسكرية تلتهم الدروب المظلمة مخلفة وراءها أعمدة النور لينتهي بها المطاف عند الصحراء.

صباحًا سمعت زوجتي تقول: حلمت.ُ

قلت في سرّي قطعًا بأخي المعدوم..... زوجها.

فــاقة

ذات فاقة جيء بي إلى ثلة من أعراب اتخذوا من كتف الشط مقامًا لهم،. فتحوا لي أبواب خزائنهم وقالوا: عيبك أنك لم تخرج بعد من غيبوبة وهمٍ ما زلت تسميه وطناً ونخيلاً.. الوطن هو المال. سنمنحك جنسيته فور تعاونك معنا في الوصول إلى خرائط جينات النخل.

قلت: امهلوني بعضًا من الوقت علّني أجد مخرجًا لغيبوبتي. عدت إلى (المختارة) صافي الذهن أنقّب بين البساتين عمن يدلني على معسكر (علي بن محمد)، فقد يمنحني ثقة بعضٍ من خلاياه النائمة.

سر

سأحرّركم: قال. قلت: يا أخا السجن، نفسك أولى منّا بهذا. قال: أنا في قيد الله.... ولي سرّ معه لا يُفشى إلا بالصلب. وأشار إلى الجدار فتحوّل إلى فجوات. تسلّلوا، قال.... فلا حرية لي إلا برضاه.

نزاهة

ذات انتخابات وصفت نتائجها بالنزيهة عمد أحد مرشحي دوائر المدن الفقيرة إلى توزيع أحذية، قيل بأنها صنعت على وفق أحجام مؤخرات الناخبين. وقبل الإعلان عن بدء مرحلة الصمت الانتخابي بساعات اجتمع المرشح بأنصاره وأعطى كل واحد منهم فردة حذاء على أمل ان يوافيهم بالأخرى حين سماعه اعلان الفوز.

مشاركة

طيلة أعوام الحرب وأنا أرعى الدود في موضعي، حتى أنه أمسى يشاركني تمري وفتات رغيفي وما ينضح من ماء (زمزميتي).

ولكثرة اطمئنانه لي راح يتوسّد جسدي، وينام على وقع نبضي. من يدري؟ علّه يحفظ لي هذا في موضع آخر من مواضع محنتي.

حيرة

مع كلّ صبيحة عيد تحار الأمّ بين وجهتين، وعندما تشير بوصلة روحها إلى جهة الأسلاك الشائكة تقول: الحيّ أبقى رغم أن الميّت أعزّ..

--------------------------------

*آخر ما كتبه القاص العراقي (البصري) باسم الشريف قبل رحيله في 15/ 9/ 2020، وقد خصنا به الشاعر حبيب السامر.

عرض مقالات: