(إرساء ملامح النسوية- قراءات تطبيقية) نبدأ من الاهداء (فليحة كريم عباس، زوجتي سنوات من الكفاح) يشكل الاهداء عتبة نصية بعد العنوان وموجّهاً رئيساً للمحتوى، وهنا يمكن التمييز بين من أهديَ الكتاب اليها (الزوجة) وهي شخصية معروفة وحقيقية لدى المؤلف بصفة خاصة، والى القارئ المهتم بصفة عامة. وكأن ذلك هو توجيه دعوة مفتوحة وتبادل معرفي مع جمهور يتفاعل ويتناقش فيما ذهب اليه المؤلف في كتابه، اذا ما اعتبرنا (الزوجة) تمثل سنوات من الكفاح، بمعنى مقاومة ومجابهة لمصاعب وتحديات من أجل الاستقلال، كما نقرأ. لقد خصّ الناقد (عبد الغفار العطوي) اهداءه بـ (فليحة زوجتي)، وبهذا كشف لنا مدى قوة ارتباطه الفعلي والصادق مع الزوجة ككيان انثوي رافقه طوال سنوات حياته، وهو قصد ثيموي استباقي لفتح فضاءات كتابه، بدلالة حياتية لتجربته، بمعنى ان المرأة لديه متحررة، وهذا استهلال اتصالي مع بنية الكتاب، وهو مؤشر نحو تحديد هوية، بوصفه ربط ما بين الذاتي والعام، وأيضاً دلالة لما تركته النصوص الأدبية التي أجرى عليها تطبيقاته في القراءة.

   قسّم الكتاب الى ثلاثة محاور: ( المرأة في فضاء الشعر/ المرأة في فضاء السرد/ المرأة في فضاء البحث)، تنبّه المؤلف عن طريقها الى التعريف بالمصطلح (النسوية - Feminism) النشأة والتطور، وما واجهته المرأة بصورة عامة والكاتبة بصورة خاصة، وعرج على أهم المصادر في إرساء دعائم الفكر النسوي مثل: “ولستونكرافت وكتابها (الدفاع عن حقوق المرأة) وسيمون دي بوفوار في كتابها (الجنس الآخر) وفرجيينا وولف في كتابها (حجرة خاصة) وغيرهن العشرات ممن (كرسن كتاباتهن لإيضاح الاشكالية النسوية التي يجب ان تدعمها الكاتبة في وعي كونها امرأة كاتبة تهتم بقضايا النساء ولا تنسى مواجهة الرجل وهي تقوض نظامه البطريركي بالأساليب التي تميز جندريتها) ص83. وكذلك على أهم الكتب التي بدأت أولاً بتعريف كتابة النساء بمعايير نسوية (الخيال الأنثوي لباتريسشيا ميو ساكس، ونساء أديبات لإيلين مورس، وأدبهن الخاص لإيلين شوللترز) ص83. وما طرحته الباحثة زليخة أبو ريشة من مفاهيم تخص مشروعها في التحرر من سطوة الذكر التي ضيّقت من قيد المرأة بممارسات الأبوية القامعة لحريتها.

وقد لاحظنا حجم التحديات التي ما زالت تواجهها المرأة الكاتبة، وحسب مفهوم (النسوية)، فالتعبير عن ذاتها النص هو هم مشترك، بناءً على معطيات افرزتها النصوص، التي جعلت منها الكاتبات مفاهيم منتجة ومعرّفة لدى القارئ المهتم والباحث عن الهوية الثقافية كجذر تأسيسي يتحدى تعددية التابوهات الموجودة في المجتمع العربي، من اعراف قبلية وأحكام أديان وغيرهما. ان الرؤية الفكرية التي أكد عليها (العطوي) وفي العديد من مؤلفاته التي بحثت في منهج (النسوية)، ما هي الّا مساهمة كبيرة في رفد المكتبة العربية في هذا الجانب المهم، الذي يعزز دور المرأة الكاتبة، اذ انه يرى ذلك من خلال النصوص الموحية والمجسّدة لمعاناة الأنثى مقابل الذكر، طبعاً هناك مشتركات توصّلَ اليها وتساؤلات أجابَ عنها سيجدها المتابع لمؤلفاته، وكمفكر معاصر أنتج لنا معرفة حدّد فيها بؤرة التفكك والفقد، الذي عانت منه المرأة منذ التحولات التاريخية في الثقافة العربية، بتوغله المستمر في البحث عن ارث التراث العربي، الذي اهتم بأنظمة الحياة والمعيشة، بمعنى اجمالي أو فردي لتلك المجتمعات التي ربطت المعنى الفكري بالمعتقدات والأنشطة الاخلاقية والتي (اجبرت الهوامش الثقافية التي ظلت صامتة أمداً طويلاً للتحرك، بوصفها منافساً للمركز في قضايا طرحتها التحولات الجيوثقافية، التي قلّصت فارق الثقافة التقليدية التي تمسّك بها العالم القديم، وباتت معيقاً للتطورات التي احدثتها الحداثة وما بعد الحداثة) ص64. وهنا يشير (العطوي) الى الماضي، ويطرح تساؤلاته حول عيوبه وتناقضاته، التي وجب ان لا نغمض أعيننا عنها، وما رافقها من فشل وقصور في وعي التاريخ، اذ نجده يستدرج تاريخياً عمق مفهوم النسوية بمعلومات وجدها متجذرة في مجتمعاتنا وشكلت تهديدات ثقافية لحرية المرأة بشكل عام، فالصورة المعتمة ما زالت ترافق الفرد العربي، على الرغم مما وصله من الغرب من ثورات وتطورات احدثتها الحداثة وما بعدها، ليبق المهيمن المشترك لمجتمعاتنا العربية هو (عدم قدرتهم على استيعاب صدمة الانفتاح على العصر تبين ان الفرد العربي سواء أكان رجلاً أم امرأة صعوبة فهم مجريات الحياة في عالم يستفز معرفته ووعيه وخبرته التي ورثها من عالمه القديم) ص65. وهذه الخلاصة أردت من خلالها ان أعرج على ما خصصه (العطوي) من نصوص أدبية أجرى عليها قراءاته التطبيقية، حيث سلط الضوء فيها على استخدامات اللغة وتطويعها لضمان بقاء المرأة على قيد التواصل، عن طريق طرح الأفكار (لتكوين وجهة نظر خاصة بنقد ثقافة الرجل الذكورية) ص78. علماً ان ليس كل ما تكتبه المرأة يعد ضمن مفهوم النسوية لأن كاتبته امرأة، فهناك نصوص كتبها الرجل تصب في صالح تحرر المرأة، بيد انه مقابل ذلك نجد العديد من الكاتبات ينتهجن موضوعات بلغة وثقافة ذكورية مهيمنة، وهذا يشكل علاقة جدلية بالتفكير لديهن ومأزق للوقوع بين وجودهن ككيان انثوي وتفكيرهن الذكوري، ويرى (العطوي) ان هذه معاناة خطيرة في انتاجهن الأدبي، من حيث الشكل والمحتوى غير الجنسوي، ولذا يخنق تطلعاتهن في الاستقلالية والتحرر.

لقد أغنى (العطوي) كتابه بما ذهبتْ اليه أزمة (النسوية) وعلاقتها باللغة، وكيف تعاملت المرأة الكاتبة بالتوظيف الكتابي، وذلك من خلال ايجاد لغتها الخاصة المحايدة، خوفاً من الانزلاق في مأزق قد يتسبب في تصدير اشكالية الى الفضاء الثقافي البيئي، حيث مجتمعها العربي المأزوم تجاه كل ما هو جدير بتحرر المرأة، مما اضطر الكثير من الكاتبات، الى استخدام لغة ذكورية ليصدّرن معاناتهن في غمار تجارب، ما زالت تواجه صعوبات في فك المصطلح لديهن.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* إرساء ملامح النسوية – قراءات تطبيقية. عبد الغفار العطوي. دار أمل الجديدة – سوريا – طبعة أولى 2018.

عرض مقالات: